ملحمة السويس الكروية: المصري البورسعيدي يقتنص فوزاً درامياً من أنياب ذئاب الجبل
تحت أضواء ستاد السويس الجديد، وفي ليلة تجلت فيها فنون كرة القدم المصرية بكل تقلباتها وإثارتها، شهد عشاق الساحرة المستديرة مباراة ستبقى طويلاً في الذاكرة ضمن منافسات دوري أورا المصري لموسم 26/27. لم تكن مجرد مباراة عادية بين المقاولون العرب والمصري البورسعيدي، بل كانت معركة تكتيكية طاحنة امتدت لأكثر من مائة دقيقة، وانتهت بتفوق أبناء بورسعيد بثلاثة أهداف مقابل هدفين، في سيناريو حبس الأنفاس حتى صافرة الحكم إبراهيم محمد الأخيرة.
صراع العقول فوق رقعة المستطيل الأخضر
قبل انطلاق المباراة، كانت الأجواء في السويس مشحونة بالترقب؛ فالمقاولون العرب بقيادة مدربه سامي قمصان كان يبحث عن هويته المفقودة ونقاطه الأولى في الدوري، بينما دخل المصري البورسعيدي تحت قيادة الخبير عماد النحاس وعينه على اعتلاء قمة الجدول. الجماهير التي ملأت جنبات الملعب كانت تدرك أن المواجهة بين "ذئاب الجبل" و"نسور بورسعيد" لا تخضع للتوقعات، وهو ما تجلى بوضوح في الدقائق الأولى التي شهدت حذراً متبادلاً وصراعاً بدنياً عنيفاً في وسط الملعب للسيطرة على مجريات الأمور.
بدأ اللقاء بإيقاع سريع، حيث حاول المقاولون العرب استغلال الأطراف، بينما اعتمد المصري على الكرات الطولية المنظمة. وبالرغم من تقارب نسب الاستحواذ التي بلغت 52% لصالح المصري مقابل 48% للمقاولون، إلا أن الفاعلية الهجومية كانت هي الفيصل في هذا النزال المثير.
الافتتاحية لـ "الذئاب" ورد سريع قبل الاستراحة
ومع حلول الدقيقة 35، انفجر الملعب فرحاً لمشجعي المقاولون العرب؛ فمن هجمة منظمة قادها ببراعة إسلام جابر، أرسل تمريرة سحرية وضعت المهاجم إدريسا تيام في مواجهة المرمى، ليودعها الأخير الشباك معلناً عن الهدف الأول. هذا الهدف أشعل الحماس في صفوف المقاولون، وظن الجميع أن الشوط الأول سينتهي بتقدمهم، لكن للمصري رأي آخر.
في الدقيقة 45، وبينما كان الحكم يستعد لرفع لوحته الإلكترونية معلناً عن الوقت بدل الضائع، ارتقى محمود حمادة لعرضية متقنة من عبدالله الزياني، ليوجهها برأسه داخل الشباك محققاً التعادل في توقيت قاتل. ولم ينتهِ الشوط عند هذا الحد، بل شهد توتراً في اللحظات الأخيرة أسفر عن بطاقة صفراء للاعب المقاولون دوكو دودو، ليدخل الفريقان غرف الملابس والنتيجة تشير إلى التعادل الإيجابي هدف لمثله.
تبديلات "النحاس" تقلب الطاولة وإثارة لا تنتهي
مع انطلاق الشوط الثاني، أثبت عماد النحاس حنكته التدريبية بإجراء تبديلين دفعة واحدة بدخول محمد الشامي وحسين فيصل. ولم تمر سوى ست دقائق حتى أثمرت هذه التغييرات؛ ففي الدقيقة 52، استطاع البديل حسين فيصل أن يضع المصري في المقدمة بتسديدة رائعة سكنت الشباك، وسط ذهول مدافعي المقاولون.
حاول سامي قمصان تدارك الموقف، فأجرى سلسلة من التبديلات لإنعاش خطوطه، حيث دفع بـ شادي حسين وعمر كمال وعمر رفعت. وبالفعل، آتت هذه التغييرات ثمارها في الدقيقة 77، عندما نجح البديل عمر كمال في تسجيل هدف التعادل بعد تمريرة حاسمة من شادي حسين، لتعود المباراة إلى نقطة الصفر وتشتعل المدرجات مرة أخرى.
رصاصة الرحمة من قدم الشامي
بينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وفي ظل محاولات المقاولون العرب لخطف الفوز، قاد المصري هجمة مرتدة سريعة في الدقيقة 83، وصلت إلى المتألق محمد الشامي الذي لم يتوانَ في إيداعها المرمى، مسجلاً الهدف الثالث وهدف الفوز الغالي. حاول المقاولون العودة مجدداً، وكثف من هجماته التي وصلت إلى ركنية وحيدة طوال اللقاء مقابل 3 للمصري، لكن دفاع بورسعيد كان بالمرصاد.
شهدت الدقائق الأخيرة توتراً كبيراً، حيث أشهر الحكم بطاقة صفراء في وجه محمد هاشم لاعب المصري في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع، وسط محاولات يائسة من "الذئاب" للتعديل، لكن الصافرة النهائية كانت أسرع، لتعلن فوز المصري البورسعيدي في واحدة من أجمل مباريات الموسم.
تحليل فني: البدلاء هم كلمة السر
إذا نظرنا إلى إحصائيات المباراة، سنجد أن الفارق لم يكن كبيراً في الأرقام، حيث سدد المصري 6 تسديدات منها 2 على المرمى، بينما سدد المقاولون تسديدتين فقط. لكن التميز الحقيقي كان في دكة بدلاء المصري؛ فالثنائي حسين فيصل ومحمد الشامي اللذان دخلا في بداية الشوط الثاني، هما من سجلا هدفي التقدم والفوز، مما يعكس القراءة الفنية المتميزة لعماد النحاس.
في المقابل، عانى المقاولون العرب من نقص الفاعلية الهجومية رغم وصول عدد تمريراتهم المكتملة إلى 110 تمريرات، إلا أنهم لم يتمكنوا من اختراق حصون المصري في اللحظات الحاسمة، كما أثرت البطاقات الصفراء والتبديلات المتأخرة على رتم الفريق في الدقائق الأخيرة.
خاتمة: المصري يطير للوصافة والمقاولون في نفق مظلم
بهذه النتيجة الدرامية، رفع المصري البورسعيدي رصيده إلى 6 نقاط من مباراتين، ليقفز إلى المركز الثاني في جدول ترتيب دوري أورا، مؤكداً عزمه على المنافسة بقوة هذا الموسم. أما المقاولون العرب، فقد تجمد رصيده عند صفر من النقاط بعد خسارتين متتاليتين، ليتذيل جدول الترتيب في المركز الثامن عشر، وهو ما يضع ضغوطاً هائلة على كاهل المدرب سامي قمصان في الجولات القادمة لتصحيح المسار قبل فوات الأوان.


