ريمونتادا سماوية في معقل السلام: بيراميدز يقلب الطاولة على الشرقية إنبي ويتمسك بالصدارة
في أمسية كروية حبست الأنفاس تحت أضواء استاد السلام الكاشفة، شهدت الجولة الخامسة من دوري أورا المصري ملحمة كروية تجسدت فيها معاني الإصرار والعزيمة. لم تكن مجرد مباراة عابرة، بل كانت اختباراً حقيقياً لشخصية البطل، حيث نجح فريق بيراميدز في تحويل تأخره بهدف إلى فوز ثمين بنتيجة 2-1 على حساب مضيفه المجتهد الشرقية إنبي، في لقاء أداره تحكيمياً الحكم إبراهيم محمد بكل اقتدار وسط أجواء مشحونة بالندية والإثارة.
هدوء ما قبل العاصفة وصراع تكتيكي محتدم
دخل الفريقان أرض الملعب والدوافع متباينة؛ بيراميدز بقيادة مدربه الطموح رولاني موكوينا يسعى لمواصلة سلسلة انتصاراته والتحليق وحيداً في الصدارة، بينما دخل الشرقية إنبي تحت قيادة محمد بركات وعينه على إحداث مفاجأة تعيد ترتيب أوراق الجدول. الأجواء في المدرجات كانت توحي بمعركة تكتيكية من الطراز الرفيع، حيث رص بركات صفوفه الدفاعية بإحكام، معتمداً على تضييق المساحات والانطلاق في هجمات مرتدة سريعة.
انطلقت المباراة بإيقاع سريع، لكن الرياح لم تأتِ بما تشتهيه سفن موكوينا مبكراً، ففي الدقيقة 14، اضطر لإجراء تبديل اضطراري بخروج محمود زلاكا ودخول أحمد عاطف قطة، مما أربك الحسابات الفنية قليلاً. ومع مرور الوقت، بدأ التوتر يلقي بظلاله على اللاعبين، فظهرت البطاقات الصفراء لتضبط الإيقاع؛ حيث نال ناصر ماهر إنذاراً في الدقيقة 32، وتبعه زياد كمال من جانب الشرقية إنبي في الدقيقة 34، ثم محمد الشيبي في الدقيقة 37. انتهى الشوط الأول بصمت تهديفي، لكنه كان صمتاً يسبق العاصفة التي تفجرت في الشوط الثاني.
مفاجأة "حامد" ورد فعل "ناصر"
مع بداية الفصل الثاني من الرواية، أجرى موكوينا تغييراً استراتيجياً بدخول وليد الكرتي بدلاً من محمود صابر، في محاولة لفرض السيطرة على وسط الميدان. ولكن، وبينما كان الجميع ينتظر هجوم بيراميدز، صدم حامد عبدالله الجميع بهدف مباغت في الدقيقة 47 لصالح الشرقية إنبي، ليعلن عن تقدم أصحاب الأرض ويشعل مدرجات السلام. هذا الهدف وضع المتصدر في مأزق حقيقي وأجبره على كشف أوراقه الهجومية بالكامل.
لم يستسلم "السماوي"، بل كثف من ضغطه المستمر الذي وصل إلى 65% من نسبة الاستحواذ. وفي الدقيقة 65، ومن جملة فنية رائعة، أرسل مصطفى فتحي تمريرة حاسمة "أسيست" وضعت ناصر ماهر في مواجهة الشباك، ليطلق الأخير تسديدة سكنت المرمى معلنة عن هدف التعادل. هذا الهدف أعاد المباراة إلى نقطة الصفر، وبدأت رحلة البحث عن هدف الخلاص وسط تراجع دفاعي تام من لاعبي الشرقية إنبي الذين حاولوا الخروج بنقطة التعادل على أقل تقدير.
الكرتي يكتب كلمة النهاية في ليلة الصدارة
توالت التبديلات من كلا الجانبين؛ محمد بركات حاول تنشيط دماء فريقه بدخول محمد عصام صقر وأوسينو بوديان بدلاً من كهربا وصاحب الهدف حامد عبدالله في الدقيقة 67. وفي المقابل، رمى موكوينا بكل ثقله بدخول مصطفى زيكو وأحمد عبدالقادر. وبينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وفي ظل حصار هجومي خانق، ارتدى وليد الكرتي ثوب البطولة. ففي الدقيقة 87، استغل الكرتي تمريرة متقنة من مهند لاشين ليسكن الكرة الشباك، محرزاً هدف الفوز الغالي الذي احتفل به لاعبو بيراميدز بجنون.
الدقائق الأخيرة شهدت قمة الإثارة والتوتر، حيث أشهر الحكم سلسلة من البطاقات الصفراء للسيطرة على حماس اللاعبين؛ فنالها وليد الكرتي، ثم أحمد سامي، وتبعهما البديل دودو الجباس في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع، وأخيراً كريم حافظ في الدقيقة السابعة من الوقت الإضافي. حاول بركات التدخل بتبديلات متأخرة بدخول محمد النحاس ومروان داوود، لكن صافرة إبراهيم محمد كانت أسرع، معلنة نهاية الملحمة بفوز بيراميدز الصعب والمستحق.
تحليل النصر: عقلية البطل تفرض كلمتها
بالنظر إلى لغة الأرقام، نجد أن بيراميدز استحق الفوز بفضل سيطرته الميدانية؛ حيث سدد 7 كرات على المرمى مقابل 3 تسديدات فقط للمنافس. كما أن دقة التمريرات كانت تصب في مصلحة الضيوف بـ 189 تمريرة ناجحة مقابل 91 للشرقية إنبي. التبديلات التي أجراها موكوينا، وتحديداً دخول وليد الكرتي، كانت هي المفتاح الذي فك شفرات الدفاع الحصين الذي نصبه محمد بركات.
لقد أثبت بيراميدز أنه يمتلك "نفس الطويل" والقدرة على العودة في النتيجة تحت أحلك الظروف، وهي السمة التي تميز الفرق الطامحة لمنصات التتويج. في المقابل، قدم الشرقية إنبي مباراة تكتيكية كبيرة وكان قاب قوسين أو أدنى من الخروج بنتيجة إيجابية، لولا فوارق الخبرة والحلول الفردية التي رجحت كفة الضيوف في الأمتار الأخيرة.
الخاتمة: العلامة الكاملة ومواصلة التحليق
بهذا الانتصار، عزز بيراميدز موقعه في المركز الأول برصيد 15 نقطة من 5 مباريات، محققاً العلامة الكاملة ومؤكداً نواياه القوية في المنافسة على لقب الدوري هذا الموسم. أما الشرقية إنبي، فقد تجمد رصيده عند 4 نقاط ليبقى في المركز الخامس عشر، رغم الأداء البطولي الذي قدمه لاعبوه. رحل لاعبو بيراميدز من استاد السلام وهم يحملون ثلاث نقاط هي الأغلى في مشوارهم حتى الآن، تاركين خلفهم قصة مباراة ستبقى محفورة في ذاكرة عشاق الدوري المصري كنموذج للإثارة والندية حتى الرمق الأخير.


