لدغة "الغزلان" في قلب الإسكندرية: وادي دجلة يخطف انتصاراً ثميناً من زعيم الثغر
تحت سماء مدينة الإسكندرية الساحرة، وفي رحاب "ستاد إسكندرية" العريق الذي تفوح منه رائحة التاريخ، حبست الجماهير أنفاسها لمتابعة قمة كروية جمعت بين عراقة الاتحاد السكندري وطموح وادي دجلة ضمن منافسات كأس عاصمة مصر. كانت الأجواء مشحونة بالترقب، فالمباراة ليست مجرد ثلاث نقاط في دور المجموعات، بل هي صراع تكتيكي بين مدرسة حمزة الجمل الخبيرة ومغامرة مصطفى شبيطة الشابة. وانتهى المشهد الدرامي بصدمة في المدرجات الخضراء، حيث نجح "الغزلان" في العودة للقاهرة بانتصار ثمين بهدف نظيف، موقعين على بداية قوية في البطولة.
صراع تكتيكي مبكر وهدوء ما قبل العاصفة
انطلقت المباراة بصافرة الحكم عبدالعزيز السيد، ولم يكد الجمهور يستقر في مقاعده حتى بدأت ملامح الصراع البدني تظهر بوضوح. في الدقيقة العاشرة، أشهر الحكم أولى بطاقاته الصفراء في وجه لاعب الاتحاد سيفوري ايزاك لتعطيله هجمة مرتدة، مما أعطى مؤشراً على أن المباراة لن تكون نزهة لأصحاب الأرض. واجه مصطفى شبيطة، مدرب وادي دجلة، اختباراً مبكراً وصعباً في الدقيقة 11، حين اضطر لإجراء تبديل اضطراري بخروج محمود عادل ودخول محمود عبدالحليم، وهو التغيير الذي أربك الحسابات قليلاً لكنه لم يكسر الصلابة الدفاعية للفريق الدجلاوي.
سيطر الاتحاد السكندري على مجريات الشوط الأول بنسبة استحواذ وصلت إلى 54%، وحاول "سيد البلد" اختراق الحصون الصفراء عبر تحركات جون إيبوكا ومحمد فخري، إلا أن اللمسة الأخيرة غابت أمام براعة حارس دجلة وتنظيم خط دفاعه. انتهى الشوط الأول بنتيجة بيضاء، لكن ملامح الإثارة كانت تطبخ على نار هادئة بانتظار الفصل الثاني من الرواية.
شوط المدربين.. التبديلات تقلب الموازين
مع بداية الشوط الثاني، دفع حمزة الجمل بأوراقه لتنشيط الهجوم، ففي الدقيقة 59 أجرى تبديلاً مزدوجاً بدخول محمود عماد وأحمد ناجي بدلاً من أحمد حمدي ويسري وحيد. هذا الضغط السكندري ترجمته الإحصائيات بـ 11 تسديدة إجمالية منها 6 على المرمى، لكن الحظ ظل معانداً لزعيم الثغر. في المقابل، كان مصطفى شبيطة يراقب بصبر، وفي الدقيقة 67 أجرى تغييرات حاسمة بدخول إسلام كانو ومحمد عبد الرحيم، ليعيد التوازن لوسط ميدانه الذي بدأ يعاني تحت ضغط الأمواج الخضراء.
بلغت الإثارة ذروتها في الدقيقة 68، حين قرر الجمل سحب المهاجم جون إيبوكا ومحمد فخري، ليدفع بالقناص حسام حسن وأحمد عاطف في محاولة أخيرة لخطف هدف الفوز. وبينما كان الجميع ينتظر هدفاً سكندرياً، كانت كرة القدم تخبئ سيناريو مغايراً تماماً، حيث ارتفعت وتيرة التوتر وحصل فرانك بولي لاعب دجلة على بطاقة صفراء في الدقيقة 69 وسط اعتراضات متبادلة.
لحظة الحسم.. رفعت يكتب كلمة النهاية
في الدقيقة 77، وبينما كان الاتحاد يندفع هجومياً بكل خطوطه، شنت "الغزلان" هجمة مرتدة منظمة، وصلت الكرة إلى الموهوب أحمد رفعت الذي لم يتوانَ في وضعها داخل الشباك، معلناً عن هدف التقدم لوادي دجلة. سكتت مدرجات ستاد إسكندرية تماماً، بينما اشتعلت دكة بدلاء الضيوف فرحاً بهذا الهدف الذي جاء عكس سير اللعب تماماً.
لم يهنأ رفعت بهدفه طويلاً، حيث اشتعلت المباراة بالبطاقات الملونة؛ ففي الدقيقة 78 حصل مصطفى ابراهيم من الاتحاد على إنذار، ثم نال صاحب الهدف أحمد رفعت بطاقة صفراء في الدقيقة 83 نتيجة الحماس الزائد وتدخل قوي. حاول الاتحاد العودة، ودفع الجمل بآخر أوراقه أنس وائل في الدقيقة 80 بدلاً من جوزيف أرومالا، لكن الوقت كان يداهم الجميع.
الأنفاس الأخيرة وصمود الغزلان
الدقائق العشر الأخيرة كانت عبارة عن حصار كامل من الاتحاد السكندري، الذي اعتمد على الكرات العرضية (12 عرضية مقابل 13 لدجلة) والركنيات التي بلغت 5 ركنيات، لكن دفاع دجلة بقيادة سيف تقا الذي دخل في الدقائق الأخيرة (د 86) كان بالمرصاد. وفي الدقيقة 87، حصل محمد عبدالعاطي على بطاقة صفراء نتيجة قتاله على الكرة، مما يعكس الروح القتالية التي زرعها شبيطة في لاعبيه للحفاظ على التقدم.
رغم تفوق الاتحاد في دقة التمرير التي وصلت إلى 88.9% وإجمالي تمريرات بلغ 433 تمريرة، إلا أن الفعالية كانت لصالح وادي دجلة الذي استغل إحدى فرصه القليلة (تسديدتان فقط على المرمى طوال المباراة) ليسجل منها هدف النقاط الثلاث. أطلق الحكم صافرة النهاية بعد 8 دقائق من الوقت بدل الضائع، معلناً فوزاً تاريخياً لوادي دجلة في افتتاح مشواره بالبطولة.
ما بعد الصافرة: دروس مستفادة وطموحات مشروعة
هذا الانتصار وضع وادي دجلة في المركز الثاني في المجموعة برصيد 3 نقاط، معززاً من طموحات الفريق في الذهاب بعيداً في كأس عاصمة مصر. أما الاتحاد السكندري، فعليه مراجعة حساباته الهجومية، فنسبة الاستحواذ والسيطرة الميدانية لم تشفع له أمام فريق عرف كيف يمتص الحماس الجماهيري ويلعب على أخطاء الخصم. لقد كانت ليلة حزينة في الإسكندرية، لكنها كانت درساً كروياً في الصبر والتركيز، بطلها الأول أحمد رفعت الذي منح فريقه قبلة الحياة في توقيت قاتل.


