ليلة توهج "صلاح" في بابارا بارك: طرابزون سبور يروض طموح باشاك شهير في ملحمة كروية
تحت أضواء ملعب "بابارا بارك" الكاشفة، وفي ليلة تجلت فيها روح كرة القدم التركية بكل تفاصيلها المثيرة، نجح فريق طرابزون سبور في انتزاع فوز ثمين وصعب على ضيفه باشاك شهير بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد. لم تكن مجرد مباراة عادية في دوري السوبر التركي، بل كانت فصلاً من فصول الإثارة التي حبست أنفاس الآلاف في المدرجات والملايين خلف الشاشات، حيث فرض النجم محمد صلاح نفسه عريساً لهذه السهرة الكروية بتوقيعه على ثنائية حسمت النقاط الثلاث لأصحاب الأرض.
صخب البدايات وزلزال مبكر
منذ صافرة البداية التي أطلقها الحكم علي سانسلان، كان من الواضح أن المدرب فاتيح تيكي دخل اللقاء بنوايا هجومية واضحة، معتمداً على الضغط العالي والانتشار السريع. ولم يكد الجمهور يستقر في مقاعده حتى انفجر الملعب فرحاً في الدقيقة الثامنة؛ حينما استغل القناص محمد صلاح ثغرة في دفاعات الضيوف ليسكن الكرة الشباك. ورغم توقف اللعب للحظات لمراجعة تقنية الفيديو (VAR)، إلا أن القرار جاء مؤكداً للهدف، ليعلن عن تقدم مبكر لأصحاب الرداء العنابي والأزرق، مشعلاً حماس الجماهير التي لم تتوقف عن الهتاف.
باشاك شهير، بقيادة مدربه الشاب نوري شاهين، لم يقف مكتوف الأيدي أمام هذا الإعصار. بدأ الفريق الضيف في تنظيم صفوفه، محاولاً استعادة التوازن في وسط الملعب. وفي الدقيقة الرابعة عشرة، تدخلت التقنية مجدداً لفحص حالة مثيرة للجدل، كانت بمثابة نذير شؤم لدفاعات طرابزون، إذ بدأت ملامح الخطورة تظهر على تحركات لاعبي باشاك شهير الذين رفضوا الاستسلام للنتيجة المبكرة.
ركلات الجزاء وصراع الأنفاس الأخيرة في الشوط الأول
في الدقيقة التاسعة عشرة، حصل باشاك شهير على ركلة جزاء إثر تدخل غير حذر داخل المنطقة. انبرى للمهمة المهاجم الأوزبكي الدور شورومودوف، الذي وضع الكرة بهدوء وثقة في المرمى، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. هذا التعادل أضفى صبغة من التوتر على اللقاء، حيث ارتفعت حدة التدخلات البدنية، مما اضطر الحكم لإشهار البطاقة الصفراء في وجه أوليفييه كيمين في الدقيقة 22، ثم تبعها بإنذار آخر للاعب بيرتوغ أوزجور يلدريم في الدقيقة 40، لينتهي الشوط الأول على وقع تعادل إيجابي وصراع تكتيكي محتدم بين تيكي وشاهين.
لدغة "صلاح" الثانية وإعادة ترتيب الأوراق
مع انطلاق الشوط الثاني، أجرى نوري شاهين تبديلاً بدخول أونور ايرجون بدلاً من يلدريم، سعياً لتأمين وسط الملعب، لكن الرياح لم تأتِ بما تشتهي سفن باشاك شهير. ففي الدقيقة 48، ومن هجمة منظمة قادها ببراعة إرنيست موشي، أرسل تمريرة حاسمة وضعت محمد صلاح في مواجهة المرمى، ليوقع الأخير على هدفه الشخصي الثاني وهدف التقدم لفريقه. هذا الهدف المبكر في الشوط الثاني منح طرابزون سبور أفضلية معنوية كبيرة، وجعل الضيوف في حالة من التخبط الفني لدقائق.
حاول باشاك شهير العودة مجدداً، وأجرى سلسلة من التبديلات في الدقيقة 58 بدخول إيفان برنيتش ودايفي سيلكه، إلا أن دفاع طرابزون بقيادة المخضرم ستيفان سافيتش كان بالمرصاد. المباراة تحولت إلى معركة بدنية في دقائقها الأخيرة، حيث نال دايفي سيلكه بطاقة صفراء بعد دخوله بدقائق قليلة، وتبعه محمد صلاح بإنذار في الدقيقة 79 نتيجة الحماس الزائد، مما يعكس الأجواء المشحونة والرغبة الكبيرة في الحفاظ على النتيجة.
دراما الدقائق الأخيرة وحسم النقاط
شهدت الدقائق العشر الأخيرة قمة الإثارة؛ فبينما كان باشاك شهير يرمي بكل ثقله للهجوم، اعتمد طرابزون على المرتدات السريعة. وفي الدقيقة الرابعة من الوقت بدل الضائع، ظن الجميع أن محمد صلاح قد أكمل "الهاتريك" التاريخي بعد تسجيله هدفاً ثالثاً، لكن تقنية الفيديو تدخلت مرة أخرى لتلغي الهدف بداعي وجود خطأ أو تسلل، لتبقى النتيجة على حالها وسط حبس للأنفاس.
التبديلات التكتيكية التي أجراها فاتيح تيكي بدخول جينك أوزكاجار ونواه سافيولو واوزان توفان ساهمت بشكل كبير في امتصاص حماس المنافس وتأمين المناطق الدفاعية. وبالنظر إلى الإحصائيات، نجد أن طرابزون سبور كان الأكثر فاعلية بـ 19 تسديدة منها 8 على المرمى، مع نسبة استحواذ بلغت 53%، بينما اكتفى باشاك شهير بـ 4 تسديدات فقط بين القائمين والعارضة رغم محاولاته المستمرة التي بلغت 11 تسديدة إجمالية.
خاتمة: طرابزون يثبت أقدامه في المربع الذهبي
بهذا الانتصار المستحق، رفع طرابزون سبور رصيده إلى 4 نقاط ليقفز إلى المركز الخامس في جدول الترتيب، مؤكداً استعادته للتوازن بعد بداية متذبذبة. في المقابل، تجمد رصيد باشاك شهير عند 3 نقاط في المركز العاشر. لقد كانت مباراة "بابارا بارك" تجسيداً حقيقياً للإصرار، حيث تفوق طرابزون بفضل براعة نجمه الأول والمنظومة الجماعية التي صمدت أمام ضغط الدقائق الأخيرة، ليرسل الفريق رسالة قوية لمنافسيه بأنه لن يكون لقمة سائغة في صراع المنافسة هذا الموسم.


