مونزا يباغت تورينو في قلب "الأولمبيكو" ويخطف بطاقة العبور في كأس إيطاليا
تحت أضواء ملعب الأولمبيكو الكاشفة، وفي ليلة من ليالي "الغريناتا" التي كان ينتظرها عشاق تورينو بشغف، خيم الصمت على المدرجات مع صافرة النهاية التي أعلنها الحكم دانيلي بيرانزوني. لم تكن مجرد مباراة عابرة في دور الـ 32 من بطولة كأس إيطاليا، بل كانت ملحمة تكتيكية تجسدت فيها كل معاني الصمود والنجاعة الهجومية، حيث نجح فريق مونزا في العودة بانتصار ثمين بهدف نظيف، واضعاً حداً لطموحات أصحاب الأرض في مواصلة المشوار المحلي.
أجواء ما قبل الصدام: طموح "أباتي" ضد دهاء "يوريتش"
دخل تورينو اللقاء بقيادة مدربه الشاب إيـنـازيـو أباتي، وعينه على استغلال عاملي الأرض والجمهور لفرض أسلوبه الهجومي المعتاد. كانت التوقعات تصب في مصلحة "التورو"، خاصة مع الأجواء الحماسية التي سبقت انطلاقة المباراة، حيث تعالت الأهازيج في جنبات الأولمبيكو. في المقابل، كان إيفان يوريتش، مدرب مونزا، يدرك تماماً أن مواجهة تورينو في ملعبه تتطلب هدوءاً وصبرًا طويلاً، وهو ما ظهر جلياً في تحضيرات فريقه التي اعتمدت على إغلاق المساحات واللعب على أنصاف الفرص.
بدأ التوتر يظهر مبكراً في الالتحامات البدنية، حيث شهدت الدقيقة 38 أولى البطاقات الملونة عندما تلقى لاعب تورينو ساندرو كولينوفيتش بطاقة صفراء نتيجة تدخل خشن، مما أعطى مؤشراً على أن المباراة لن تكون نزهة لأي من الطرفين، بل صراعاً بدنياً مريراً على كل كرة.
الشوط الأول: لدغة "داني موتا" القاتلة
سيطر تورينو على مجريات اللعب في أغلب فترات الشوط الأول، ووصلت نسبة استحواذه إلى 54%، محاولاً اختراق دفاعات مونزا المنظمة عبر العرضيات التي بلغت 22 عرضية طوال اللقاء. ومع ذلك، كانت الفعالية غائبة تماماً عن هجوم أصحاب الأرض، حيث افتقدت اللمسة الأخيرة للدقة المطلوبة أمام المرمى.
وبينما كان الجميع يستعد للتوجه إلى غرف الملابس بنتيجة التعادل السلبي، وفي الدقيقة الثالثة من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع للشوط الأول (45+3)، حدث ما لم يكن في الحسبان. ومن هجمة مرتدة منظمة، استطاع النجم داني موتا أن ينسل خلف المدافعين ويودع الكرة الشباك، معلناً عن هدف التقدم لمونزا. هذا الهدف نزل كالصاعقة على لاعبي تورينو، وغير حسابات المدرب أباتي تماماً قبل الدخول في استراحة ما بين الشوطين.
الشوط الثاني: صمود مونزا وعناد تورينو
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل تورينو بضغط هائل محاولاً تدارك الموقف سريعاً. وفي الدقيقة 50، حبست الأنفاس في الملعب بعد تدخل تقنية الفيديو VAR لمراجعة إحدى اللقطات لصالح مونزا، لكن اللعب استمر وسط إثارة بالغة. أدرك أباتي أن فريقه بحاجة إلى دماء جديدة، فقام بإجراء تبديلات هجومية جريئة في الدقيقة 56، حيث سحب غايتانو أوريستانيو وساندرو كولينوفيتش، ليدفع بكل من نيكولا فلاستش والمهاجم القوي دوفان زاباتا.
واصل تورينو محاولاته الانتحارية، ووصل عدد تسديداته الإجمالي إلى 16 تسديدة، ولكن الغريب في الأمر والإحصائية الأكثر إثارة للدهشة هي أن صفر تسديدة منها كانت بين القائمين والعارضة. في المقابل، كان مونزا أكثر خطورة وواقعية، حيث سدد 17 كرة، منها 7 تسديدات مباشرة على المرمى، مما أجبر حارس تورينو على التألق في أكثر من مناسبة لمنع مضاعفة النتيجة.
تكتيك التغييرات وصراع الدقائق الأخيرة
شهدت الدقائق الأخيرة صراعاً تكتيكياً كبيراً؛ ففي الدقيقة 64 استمر تورينو في محاولات التغيير بإشراك زكريا أبوخلال وفاوستينهو انجورين بدلاً من كاشياماني ولونجو. رد يوريتش مدرب مونزا بتبديلات دفاعية وتنشيطية في الدقيقة 70، حيث أخرج صاحب الهدف داني موتا وأوماري فورسون، ليدفع بـ باتريك كوترون وأندريا كولباني للحفاظ على توازن الفريق.
ازداد التوتر في الدقيقة 80 عندما تلقى مايكل فولورينشو بطاقة صفراء من جانب مونزا، مما زاد من وتيرة الشحن العصبي داخل الملعب. وفي الدقائق الخمس الأخيرة من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، تدخلت تقنية VAR مرة أخرى لمراجعة لقطة مثيرة للجدل لصالح تورينو، لكن القرار النهائي لم يغير من واقع الأمر شيئاً، ليبقى التفوق لصالح الضيوف.
الخاتمة: مونزا يواصل الحلم وتورينو يراجع الأوراق
بإطلاق صافرة النهاية، أعلن مونزا نفسه متأهلاً رسمياً إلى الدور القادم، في ليلة أثبت فيها أن التنظيم الدفاعي والقدرة على استغلال الفرص هي مفاتيح الفوز في مباريات الكؤوس. لقد كانت إحصائيات المباراة تعكس سيطرة سلبية لتورينو الذي مرر 365 تمريرة بدقة 79% وحصل على 8 ركنيات، لكن دون جدوى أمام صلابة دفاع مونزا.
هذا الفوز يعني الكثير لـ إيفان يوريتش ولاعبيه، فهو لا يمنحهم فقط بطاقة التأهل، بل يعطيهم دفعة معنوية هائلة للمنافسة في قادم الأدوار. أما بالنسبة لتورينو، فإن هذه الخسارة المريرة في ملعب الأولمبيكو ستفتح باب التساؤلات حول النجاعة الهجومية للفريق، وكيفية التعامل مع الفرق التي تجيد إغلاق المساحات، ليبقى "التورو" مطالباً بمراجعة أوراقه سريعاً للتركيز على منافسات الدوري بعد ضياع حلم الكأس.


