ملحمة السويس.. المصري البورسعيدي يعبر عقبة المقاصة بـ "نفس طويل" في ليلة كروية مثيرة
في ليلة من ليالي "الكأس" التي لا تعترف إلا بلغة العرق والجهد حتى الثواني الأخيرة، احتضن ستاد السويس الجديد مواجهة من عيار ثقيل جمعت بين المصري البورسعيدي ومصر للمقاصة ضمن منافسات دور الـ 32 لبطولة كأس مصر. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم عادية، بل كانت ملحمة استمرت لأكثر من مائة وعشر دقائق، وانتهت بفوز درامي للمصري بنتيجة 2-1، ليحجز "نسور بورسعيد" مقعدهم في الدور المقبل بعد صراع مرير استنزف طاقات اللاعبين وحبس أنفاس الجماهير.
أجواء ما قبل المعركة.. طموح "المقاصة" في مواجهة عراقة "المصري"
خيمت أجواء الترقب على جنبات ستاد السويس قبل انطلاق صافرة البداية؛ فالبطولة هي الكأس، حيث تسقط التوقعات وتتساوى الحظوظ. دخل النادي المصري المباراة وهو يحمل على عاتقه آمال مدينة بورسعيد العاشقة لتراب ناديها، بينما كان طموح مصر للمقاصة واضحاً في تفجير مفاجأة من مفاجآت العيار الثقيل والإطاحة بأحد كبار البطولة. الأرضية العشبية الرائعة والطقس المعتدل في مدينة السويس كانا يبشران بمباراة سريعة الإيقاع، وهو ما حدث بالفعل منذ اللحظات الأولى التي شهدت صراعاً بدنياً قوياً في منطقة وسط الملعب.
الشوط الأول.. جس نبض وافتتاح التسجيل
بدأ الشوط الأول بحذر تكتيكي واضح من كلا المدربين، حيث انحصر اللعب في الدقائق العشر الأولى في منطقة العمليات. ومع مرور الوقت، بدأ لاعبو المصري في فرض سيطرتهم من خلال التمريرات القصيرة والاعتماد على الأطراف لخلخلة دفاعات المقاصة المنظمة. الضغط البورسعيدي لم يتأخر في إتيان ثماره، حيث استطاع الفريق هز الشباك في وقت مبكر نسبياً، ليشتعل المدرج الأخضر وتهتز جنبات الملعب فرحاً بهدف التقدم الذي منح الأفضلية المعنوية لأبناء بورسعيد. حاول لاعبو المقاصة العودة سريعاً في النتيجة، إلا أن صلابة الدفاع البورسعيدي كانت بالمرصاد لكل المحاولات، لينتهي الشوط الأول بتقدم المصري بهدف نظيف.
الشوط الثاني.. انتفاضة "الفيومي" وإثارة لا تنتهي
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل فريق مصر للمقاصة بوجه مغاير تماماً، حيث تخلى عن حذره الدفاعي وبدأ في شن هجمات متتالية ومنظمة. التبديلات التكتيكية التي أجراها الجهاز الفني للمقاصة أتت أكلها، حيث استطاع الفريق إدراك هدف التعادل وسط ذهول من لاعبي المصري الذين تراجعوا للدفاع للحفاظ على تقدمهم. بعد التعادل، تحولت المباراة إلى "سجال" مفتوح؛ هجمة هنا وأخرى هناك، وتوترت الأعصاب مع اقتراب الوقت الأصلي من نهايته. أهدر المهاجمون فرصاً محققة أمام المرميين، وتألق حارسا المرمى في الذود عن شباكهما ببسالة، ليطلق الحكم صافرته معلناً نهاية الوقت الأصلي بالتعادل الإيجابي 1-1، واللجوء إلى الأشواط الإضافية.
الأشواط الإضافية.. دقيقة 111 تكتب كلمة الفصل
في الأوقات الإضافية، ظهرت ملامح الإجهاد على وجوه اللاعبين، وبدأ التركيز يقل تدريجياً، وهو ما جعل المباراة تكتسي بطابع الحذر الشديد خوفاً من استقبال هدف قاتل. استمر التعادل مسيطراً حتى وصلنا إلى الشوط الإضافي الثاني، وفي اللحظة التي ظن فيها الجميع أن ركلات الترجيح هي الفيصل، وتحديداً في الدقيقة 111، حدث المنعطف الدرامي الأكبر. هجمة منظمة للمصري البورسعيدي انتهت بهدف ثانٍ غطى على صرخات التعب، وأعاد الفرحة إلى دكة بدلاء المصري. هذا الهدف القاتل في الدقائق الأخيرة من الوقت الإضافي كان بمثابة رصاصة الرحمة التي أنهت آمال المقاصة في العودة.
التحليل الفني.. كيف حُسمت الموقعة؟
كانت المباراة درساً في الإدارة البدنية والذهنية؛ فالنادي المصري نجح في توزيع مجهوده على مدار 120 دقيقة تقريباً، بينما عانى المقاصة من نقص التركيز في اللحظات الحاسمة من الشوط الإضافي الثاني. التبديلات كانت العامل الحاسم، حيث ضخ مدرب المصري دماءً جديدة في الخط الأمامي ساعدت على استغلال المساحات التي ظهرت في دفاع المقاصة المنهك. الإحصائيات تشير إلى تفوق طفيف للمصري في نسبة الاستحواذ وعدد الركنيات، لكن الفاعلية أمام المرمى في "الوقت القاتل" هي من منحت البطاقة للفريق البورسعيدي.
الخاتمة.. المصري يواصل الرحلة والمقاصة يغادر بشرف
بهذه النتيجة، يضرب المصري البورسعيدي موعداً في الدور القادم من بطولة كأس مصر، مؤكداً أنه رقم صعب في هذه المسابقة التي طالما عشقها جمهوره. فوز صعب لكنه مستحق، جاء بعد معركة كروية امتدت لـ 111 دقيقة من الإثارة والتشويق على أرض ستاد السويس. أما فريق مصر للمقاصة، فقد غادر البطولة برأس مرفوعة بعد أداء بطولي كاد أن يطيح بأحد المرشحين للقب، ليثبت أن مباريات الكأس لا تعترف بالفوارق، بل بالجهد المبذول فوق المستطيل الأخضر حتى الرمق الأخير.


