دراما ملعب "ريالي أرينا": سداسية مثيرة وتقلبات مجنونة ترسم تعادلاً تاريخياً بين سوسيداد وألافيس
في ليلة لم تكن تشبه غيرها من ليالي الدوري الإسباني، احتضن ملعب "ريالي أرينا" ملحمة كروية حبست الأنفاس حتى الثانية الأخيرة. لم تكن مجرد مباراة في كرة القدم، بل كانت رواية درامية كتب فصولها لاعبو ريال سوسيداد وديبورتيفو ألافيس، وانتهت على وقع تعادل مثير بنتيجة 3-3، في مواجهة ستبقى محفورة في ذاكرة عشاق "الليجا" طويلاً نظراً لما شهدته من تقلبات دراماتيكية، وأهداف عكسية، وبطاقات ملونة، وهدف قاتل في الدقيقة السابعة بعد التسعين.
بداية صاعقة وجنون الأهداف العكسية
انطلقت المباراة تحت صافرة الحكم فيكتور جارسيا فيردورا، ولم يكد الجمهور يستقر في مقاعده حتى خيم الصمت على أرجاء الملعب. في الدقيقة الثالثة فقط، وقع ما لم يكن في الحسبان؛ حيث سجل مدافع ريال سوسيداد دوجي كاليتا-كار هدفاً عكسياً في مرماه بطريق الخطأ، ليمنح الضيوف تقدماً مبكراً أشعل فتيل الإثارة منذ اللحظات الأولى. هذا الهدف المبكر أجبر كتيبة المدرب بيليجرينو ماتارازو على الخروج من مناطقهم سريعاً للبحث عن العودة.
ولم يتأخر الرد الباسكي كثيراً، ففي الدقيقة 14، ومن جملة تكتيكية رائعة، أرسل اندير بارينتكسيا تمريرة حاسمة متقنة استقبلها لوكا سوتشيتش الذي سددها ببراعة في الشباك، معلناً تعادل الكفة وإعادة المباراة إلى نقطة الصفر. لكن الإثارة كانت قد بدأت للتو؛ ففي الدقيقة 24، عاد ديبورتيفو ألافيس ليفاجئ الجميع بهجمة منظمة أنهاها ابراهيم يلطيف دياباتي بنجاح في المرمى، ليعيد التقدم لفريق المدرب كيكي سانشيز فلوريس.
الجنون لم يتوقف عند هذا الحد، فبعد ثلاث دقائق فقط من هدف ألافيس الثاني، وتحديداً في الدقيقة 27، رد القدر هديته لسوسيداد، حيث ارتكب حارس ألافيس أنطونيو سيفيرا خطأً فادحاً سجل على إثره هدفاً عكسياً في مرماه، لينتهي نصف الساعة الأول من المباراة بتعادل صاخب 2-2، وسط ذهول المتابعين من هذا السيناريو الغريب والمتقلب.
شوط المدربين وصراع البدلاء
مع بداية الشوط الثاني، أدرك ماتارازو أن فريقه بحاجة لزخم هجومي أكبر، فأجرى تبديله الأول بدخول جونسالو جيديس بدلاً من بارينتكسيا. ومع استمرار الضغط، دفع بالورقة الرابحة تاكيفوسا كوبو في الدقيقة 54 بدلاً من برايس مينديز. لم يكد كوبو يطأ أرض الملعب حتى أحدث الفارق المنشود؛ ففي الدقيقة 60، ومن لمسة سحرية، قدم النجم الياباني تمريرة حاسمة لزميله أوري أوسكارسون الذي لم يتوانَ عن إيداعها الشباك، مانحاً ريال سوسيداد التقدم لأول مرة في المباراة بنتيجة 3-2.
في المقابل، لم يقف كيكي سانشيز فلوريس مكتوف الأيدي، فدفع مباشرة بـ لوكاس بوي بدلاً من صاحب الهدف دياباتي، وأتبعها بسلسلة تبديلات في الدقيقة 66 بدخول كارلس ألينا واندير جيوفارا، في محاولة لاستعادة السيطرة على وسط الميدان. المباراة تحولت في هذه الأثناء إلى معركة بدنية شرسة، حيث أشهر الحكم البطاقة الصفراء في وجه عبدي ريباخ وانخيل بيريرز من ألافيس، بينما نال تاكيفوسا كوبو إنذاراً من جانب أصحاب الأرض.
اللحظات القاتلة: طرد وهدف في الرمق الأخير
دخلت المباراة دقائقها العشر الأخيرة وهي ترفض البوح بكامل أسرارها. حاول سوسيداد الحفاظ على تقدمه من خلال تبديلات دفاعية بدخول لوكين بيتيا وايهين مونوز، لكن التوتر بلغ ذروته في الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع، عندما تلقى لاعب سوسيداد سيرخيو غوميز بطاقة حمراء مباشرة، ليترك فريقه يواجه الإعصار في اللحظات الحرجة وهو منقوص العدد.
وفي الدقيقة السابعة بعد التسعين، وبينما كان الجميع يستعد لإطلاق صافرة النهاية، حدثت المعجزة لألافيس. تمريرة متقنة من البديل دينيس سواريز وضعت لوكاس بوي في مواجهة المرمى، ليطلق الأخير تسديدة قوية سكنت الشباك، مفجراً فرحة عارمة في دكة بدلاء ألافيس وصدمة كبرى في مدرجات "ريالي أرينا". ولم تنتهِ المباراة إلا ببطاقة صفراء أخرى نالها جونسالو جيديس في الدقيقة التاسعة بعد التسعين، لتنتهي الموقعة بتعادل عادل ومجنون بثلاثة أهداف لكل فريق.
قراءة فنية: عندما تتفوق الإرادة على التكتيك
أظهرت الإحصائيات تقارباً كبيراً في الأداء، لكن المباراة كانت صراعاً للإرادات أكثر منها تكتيكاً صرفاً. ريال سوسيداد، الذي يحتل المركز السابع برصيد 42 نقطة، أضاع فرصة ذهبية لتعزيز موقعه في المنطقة الدافئة والمنافسة على المقاعد الأوروبية، حيث ظهرت ثغرات دفاعية واضحة كلفته هدفين عكسيين وفقدان النقاط في الثواني الأخيرة. في المقابل، أثبت ديبورتيفو ألافيس، صاحب المركز الخامس عشر برصيد 33 نقطة، أنه فريق لا يعرف اليأس، مقدماً مباراة بطولية خارج دياره.
كانت تبديلات كيكي سانشيز فلوريس هي المفتاح؛ فصناعة دينيس سواريز وتسجيل لوكاس بوي في الدقيقة 97 تؤكد القراءة الناجحة للمدرب لمجريات اللقاء. أما سوسيداد، فرغم تألق كوبو وأوسكارسون، إلا أن النقص العددي في الدقائق الأخيرة كان القشة التي قصمت ظهر البعير، ليبقى الفريق في دوامة النتائج المتذبذبة في مبارياته الأخيرة.
الخاتمة: نقطة بطعم الفوز وأخرى بطعم الخسارة
بهذه النتيجة، خرج ديبورتيفو ألافيس بنقطة ثمينة جداً من معقل سوسيداد، وهي نقطة تعني الكثير في صراعه للابتعاد عن مناطق الخطر، وتمنح لاعبيه ثقة هائلة فيما تبقى من عمر "الليجا". أما بالنسبة لريال سوسيداد، فإن هذا التعادل يمثل خسارة معنوية قاسية، خاصة وأنه كان قاب قوسين أو أدنى من حصد النقاط الثلاث قبل لحظات من الانهيار الدفاعي الأخير.
لقد كانت مباراة "ريالي أرينا" تجسيداً حقيقياً لجمال كرة القدم وقسوتها في آن واحد؛ حيث لا ينتهي اللقاء إلا بصافرة الحكم، وحيث يمكن لخطأ واحد أو لحظة تجلي أن تغير مصير موسم كامل. خرج الجمهور من الملعب وهم يتحدثون عن تلك الدقائق المجنونة، مؤكدين أن الدوري الإسباني لا يزال يملك الكثير من السحر ليرويه.

