ليلة نجرانية بصبغة عالمية: النصر يروض الأخدود بثنائية رونالدو وفليكس
تحت أضواء ملعب مدينة الأمير هذلول بن عبدالعزيز الرياضية في نجران، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس، أكد نادي النصر علو كعبه ومضيه قدماً في صدارة دوري روشن السعودي، بعد أن نجح في عبور محطة الأخدود بنتيجة هدفين دون رد. لم تكن مجرد مباراة في كرة القدم، بل كانت فصلاً من فصول الإثارة التي يكتبها "العالمي" هذا الموسم، حيث امتزجت الخبرة العالمية بروح الإصرار، وسط أجواء جماهيرية صاخبة لم تهدأ طوال تسعين دقيقة.
هدوء ما قبل العاصفة وصراع الطموحات
دخل الفريقان أرض الملعب بدوافع متناقضة تماماً؛ الأخدود بقيادة مدربه المحنك فتحى الجبال كان يبحث عن طوق نجاة للهروب من مناطق الخطر في تذيل الترتيب، متسلحاً بعاملي الأرض والجمهور. وفي المقابل، دخل النصر تحت قيادة خورخي خيسوس وعينه على تعزيز رصيده النقطي الذي بلغ 73 نقطة، معتمداً على ترسانة من النجوم الذين يدركون أن الخطأ في هذه المرحلة من الدوري ممنوع. صافرة الحكم خالد التريس أعلنت بداية المعركة التكتيكية، حيث وضح منذ اللحظات الأولى رغبة النصر في فرض أسلوبه، مستحوذاً على الكرة بنسبة وصلت إلى 64%، مما أجبر أصحاب الأرض على التراجع للدفاع والاعتماد على المرتدات.
رونالدو يفتتح السيمفونية والتقنية تتدخل
لم يمهل الضيوف خصمهم الكثير من الوقت لترتيب الأوراق؛ ففي الدقيقة الخامسة عشرة، ومن جملة تكتيكية منظمة، أرسل نواف بوشال عرضية متقنة ارتقى لها الأسطورة كريستيانو رونالدو، ليودعها الشباك ببراعة معهودة، معلناً عن الهدف الأول الذي أشعل مدرجات النصر. هذا الهدف أعطى الضيوف ثقة هائلة، فواصلوا الضغط حتى ظن الجميع أن المباراة قد حُسمت في الدقيقة 22 عندما سجل المدافع محمد سيماكان هدفاً ثانياً، إلا أن تقنية الفيديو (VAR) كان لها رأي آخر، حيث ألغى الحكم الهدف وسط حسرة نصراوية وصمود بطولي من دفاع الأخدود.
شهدت الدقائق الأخيرة من الشوط الأول توتراً ملحوظاً، حيث حاول لاعبو الأخدود الخروج من مناطقهم، مما أدى إلى بعض التدخلات القوية. وفي الدقيقة الثانية من الوقت بدل الضائع، تلقى محمد سيماكان بطاقة صفراء نتيجة تدخل خشن، لينتهي الشوط الأول بتقدم نصراوي مستحق بهدف وحيد، وسط سيطرة ميدانية واضحة تمثلت في دقة تمريرات بلغت 92%، وهو ما يعكس الانضباط العالي لكتيبة خيسوس.
جواو فيليكس يطلق رصاصة الرحمة
مع انطلاقة الشوط الثاني، وبينما كان الجميع يتوقع ردة فعل قوية من الأخدود، باغت النصر مضيفه بهدف سريع في الدقيقة السابعة والأربعين. هذه المرة كان المهندس هو كينغسلي كومان الذي قدم تمريرة حاسمة للنجم البرتغالي جواو فيليكس، والذي لم يتوانَ عن وضع الكرة في المرمى، معززاً تقدم فريقه ومصعباً المهمة على أبناء نجران. هذا الهدف قتل الطموح المبكر للأخدود، وجعل المباراة تسير في اتجاه واحد لصالح الضيوف الذين سددوا 20 كرة على المرمى طوال اللقاء.
حاول فتحي الجبال إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر سلسلة من التبديلات، فدفع باللاعب إيفان نيو بدلاً من عبد العزيز الهتيله في الدقيقة 64، لكن التوازن النصراوي ظل صامداً. وفي المقابل، بدأ خيسوس في تدوير لاعبيه للحفاظ على المجهود البدني، فأخرج أيمن يحيى وكومان ليدفع بـ سلطان الغنام وعبدالله الخيبري، مما منح وسط الملعب حيوية إضافية وقدرة أكبر على إحباط محاولات الأخدود الخجولة.
صراع البطاقات واللحظات الأخيرة
اتسمت الربع ساعة الأخيرة بالندية البدنية العالية، حيث أشهر الحكم خالد التريس البطاقة الصفراء في وجه خالد اللزام من جانب الأخدود، ثم تبعها ببطاقة لـ جواو فيليكس في الدقيقة 74. ومع اقتراب المباراة من نهايتها، وتحديداً في الدقيقة 82، قرر خيسوس إراحة قائده كريستيانو رونالدو وزميله أنجيلو، ليحل مكانهما عبدالله الحمدان وعبد الرحمن غريب.
في المقابل، أجرى الأخدود تغييراً جذرياً في الدقيقة 83 بدخول أربعة لاعبين دفعة واحدة وهم محمد نايف الجحيف، صالح آل عباس، صالح الحارثي، ونايف عسيري، في محاولة يائسة لتقليص الفارق. إلا أن صلابة دفاع النصر حالت دون وصول أصحاب الأرض إلى المرمى، حيث فشل الأخدود في توجيه أي تسديدة مباشرة على المرمى طوال اللقاء. وقبل النهاية بسبع دقائق، تلقى البديل صالح الحارثي بطاقة صفراء، لتنتهي المباراة بهدوء نصراوي تام بعد دخول سالم النجدي في الدقيقة الأخيرة بدلاً من نواف بوشال.
تحليل فني: تفوق تكتيكي واستحقاق نصراوي
أثبتت الإحصائيات الفنية تفوقاً كاسحاً للنصر، حيث مرر لاعبو "العالمي" 554 تمريرة بدقة متناهية، مقابل 300 تمريرة فقط للأخدود. التبديلات التي أجراها خيسوس كانت تهدف بالدرجة الأولى إلى إغلاق المساحات وتأمين النتيجة، بينما لم تسعف التبديلات الهجومية لفتحي الجبال فريقه نظراً للفارق الفني الشاسع في وسط الميدان. جواو فيليكس كان شعلة نشاط، ورغم حصوله على بطاقة صفراء، إلا أن هدفه كان النقطة الفاصلة التي منعت الأخدود من العودة في النتيجة.
الخلاصة: النصر يغرد وحيداً في القمة
بهذا الفوز الثمين، يرفع النصر رصيده إلى نقاط أبعدته أكثر في الصدارة، مؤكداً أنه المرشح الأبرز لحصد اللقب هذا الموسم. المباراة كانت درساً في كيفية إدارة اللقاءات الصعبة خارج الديار، حيث عرف النصر متى يضرب بقوة ومتى يهدئ اللعب. أما الأخدود، فقد استمرت معاناته في المركز السابع عشر، وسيكون عليه مراجعة أوراقه سريعاً إذا ما أراد البقاء في دوري الأضواء، خاصة وأن العقم الهجومي في هذه المباراة (صفر تسديدات على المرمى) يدق ناقوس الخطر للفريق الجنوبي.


