ريمونتادا مذهلة في معقل النواخذة: الرياض يقلب الطاولة على الاتفاق في ليلة درامية
في ليلةٍ لم تكن كغيرها من ليالي دوري روشن السعودي، احتضن ملعب "إيجو" بالدمام ملحمة كروية ستبقى محفورة في ذاكرة عشاق الساحرة المستديرة طويلاً. لم تكن مجرد مباراة عادية بين الاتفاق وضيفه الرياض، بل كانت تجسيداً حياً لجنون كرة القدم الذي لا يعترف بالنتائج المسبقة ولا يؤمن بالاستسلام حتى الرمق الأخير. في مواجهة أدراها الحكم عبدالله الحربي باقتدار، شهد المتابعون تحولاً درامياً من تقدم مريح لأصحاب الأرض بثنائية نظيفة إلى خسارة مفاجئة بنتيجة 3-2، في مباراة كانت بمثابة صدمة لكتيبة المدرب سعد الشهري وفرحة لا توصف لرجال المدرب ماوريسيو كوريا دولاك.
بداية عاصفة وإعصار اتفاقي يكتسح الميدان
مع إطلاق صافرة البداية، بدا أن الاتفاق عازم على حسم الأمور مبكراً وسط مؤازرة جماهيرية كبيرة. لم تمضِ سوى خمس دقائق حتى اهتزت الشباك للمرة الأولى؛ فمن تمريرة حريرية أرسلها المهاجم موسى ديمبيلي، ارتقى النجم المخضرم جيورجينهو فاينالدوم ليضع الكرة في المرمى معلناً تقدم "النواخذة". هذا الهدف المبكر أشعل فتيل الحماس في المدرجات وأربك حسابات الضيوف الذين حاولوا تدارك الموقف، إلا أن الضغط الاتفاقي استمر بضراوة.
وفي الدقيقة الثالثة والثلاثين، ومن مجهود جماعي رائع، رد فاينالدوم الهدية لزملائه بصناعة هدف ثانٍ، حيث مرر كرة متقنة للشاب الموهوب خالد الغنام الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، ليعزز تقدم الاتفاق ويجعل النتيجة 2-0. في تلك اللحظة، ظن الجميع أن المباراة قد حُسمت إكلينيكياً لصالح أصحاب الأرض، خاصة وأن الإحصائيات كانت تشير إلى سيطرة اتفاقية واضحة في وسط الملعب، رغم تلقي اللاعب راضي العتيبي بطاقة صفراء في الدقيقة 27 نتيجة تدخل قوي.
شرارة العودة وبصيص الأمل للرياض
بينما كانت الجماهير تستعد للاحتفال بنهاية الشوط الأول بتقدم مريح، ظهر النجم لياندرو أنتونيس ليغير مجرى القدر. في الدقيقة الثامنة والثلاثين، استغل أنتونيس هفوة دفاعية ليقلص الفارق بهدف مباغت أعاد الروح لصفوف فريق الرياض. هذا الهدف لم يكن مجرد تقليص للنتيجة، بل كان بمثابة "طوق النجاة" الذي تمسك به الضيوف قبل الدخول لغرف الملابس.
دخل المدرب ماوريسيو دولاك الشوط الثاني وهو يدرك أن التغيير الجذري هو السبيل الوحيد للعودة. أجرى تبديلين دفعة واحدة مع بداية الشوط، حيث أخرج إينيس سالي ومرزوق تمبكتي، ليدفع بكل من خليل العبسي واسامه البواردي لتنشيط الجبهة الهجومية وتأمين الدفاع. هذه التغييرات التكتيكية أثمرت سريعاً، حيث بدأ الرياض يفرض إيقاعه، وارتفعت نسبة استحواذه على الكرة لتصل إلى 52% بنهاية اللقاء، معتمداً على الكرات العرضية التي بلغت 14 عرضية طوال المباراة.
الإثارة تبلغ ذروتها والتعادل يفرض نفسه
في الدقيقة الرابعة والخمسين، صدم الرياض أصحاب الأرض بهدف التعادل. ومن تمريرة دقيقة من اللاعب تيدي ليا اوكو، عاد المتألق لياندرو أنتونيس ليسجل هدفه الشخصي الثاني وهدف التعادل لفريقه، وسط ذهول لاعبي الاتفاق ومدربهم سعد الشهري. تحولت المباراة هنا إلى صراع بدني وتكتيكي كبير، وحاول الشهري استعادة السيطرة بإخراج راضي العتيبي والدفع بالمهاجم أحمد حسن كوكا في الدقيقة 69 لزيادة الكثافة الهجومية.
شهدت الدقائق الأخيرة توتراً ملحوظاً، حيث أشهر الحكم عبدالله الحربي البطاقة الصفراء في وجه لاعبي الرياض يوهان باربيت ومحمد الخيبري في الدقائق 85 و89 على التوالي، في محاولة للسيطرة على الاندفاع البدني للاعبين. ومع اقتراب المباراة من نهايتها، أجرى مدرب الرياض تبديلاً اضطرارياً وتكتيكياً في الدقيقة 89 بخروج بطل الليلة لياندرو أنتونيس ودخول عصام بحري، وهو التبديل الذي وصفه المحللون لاحقاً بـ "ضربة المعلم".
الضربة القاضية في الوقت القاتل
بينما كان الجميع ينتظر صافرة النهاية لاقتسام نقاط المباراة، وفي الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع (90+3)، حدث ما لم يكن في الحسبان. البديل عصام بحري، الذي لم يمضِ على دخوله سوى دقائق معدودة، أرسل تمريرة ذهبية نحو البديل الآخر مامادو سيلا ديالو (الذي دخل في الدقيقة 81)، ليطلق الأخير تسديدة سكنت شباك الاتفاق، معلنة عن ريمونتادا تاريخية وهدفاً ثالثاً قاتلاً للرياض.
انطلقت أفراح جنونية على دكة بدلاء الرياض، بينما خيم الصمت المطبق على جنبات ملعب "إيجو". حاول الاتفاق في الثواني الأخيرة العودة، لكن التكتل الدفاعي للرياض وروحهم القتالية العالية حالت دون ذلك. أظهرت إحصائيات المباراة تفوقاً هجومياً للرياض بـ 8 تسديدات منها 3 على المرمى، بينما اكتفى الاتفاق بـ 4 تسديدات فقط، مما يعكس الفعالية الهجومية الكبيرة للضيوف في الشوط الثاني.
تحليل المباراة وتداعيات النتيجة
لقد كانت التبديلات هي كلمة السر في هذا اللقاء؛ فبينما فشل الاتفاق في الحفاظ على توازنه بعد التقدم، نجح ماوريسيو دولاك في قراءة الملعب ببراعة. دخول مامادو سيلا ديالو وعصام بحري وصناعتهما لهدف الفوز في الوقت القاتل يثبت أن دكة بدلاء الرياض كانت على أهبة الاستعداد لصناعة الفارق. في المقابل، عانى الاتفاق من تراجع بدني وذهني واضح بعد استقبال الهدف الأول، ولم تنجح محاولات سعد الشهري في إعادة الثقة للاعبيه رغم دقة التمرير التي وصلت إلى 84.48%.
بهذه النتيجة، حقق الرياض فوزاً معنوياً ونقطياً ثميناً جداً في صراعه للهروب من مناطق المؤخرة، حيث رفع رصيده إلى 26 نقطة معززاً آماله في البقاء. أما الاتفاق، فقد تجمد رصيده عند 42 نقطة في المركز السابع، لتكون هذه الخسارة بمثابة جرس إنذار للفريق الذي فرط في فوز كان في المتناول. لقد أثبتت هذه الموقعة مرة أخرى أن دوري روشن السعودي لا يعترف بالكبار إلا بالعطاء داخل المستطيل الأخضر، وأن المباراة لا تنتهي إلا بصافرة الحكم النهائية.


