تعادل بطعم الإثارة.. قصة الصمود العراقي في معقل فرغانة الأوزبكي
تحت أضواء ملعب "استقلال فرغانة" المبهرة، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس ضمن منافسات دوري أبطال آسيا للنخبة، رسم ناديا ناساف كارشي الأوزبكي والشرطة العراقي لوحة فنية امتزجت فيها القوة البدنية بالتكتيك العالي. كانت المباراة أكثر من مجرد صراع على ثلاث نقاط؛ بل كانت اختباراً حقيقياً للإرادة بين مدرستين كرويتين مختلفتين، انتهت باقتسام النقاط بعد تعادل إيجابي بهدف لمثله، في لقاء أداره ببراعة الحكم خالد التريس.
بداية عاصفة وزلزال أوزبكي مبكر
لم يكد الجمهور يستقر في مقاعده، ولم يمنح أصحاب الأرض ضيوفهم فرصة لجس النبض، فمنذ الدقيقة الأولى بدا واضحاً أن المدرب روزيكول بيردييف قد أعطى تعليمات صارمة بالضغط العالي واستغلال عاملي الأرض والجمهور. وفي الدقيقة الثامنة، ومن جملة تكتيكية منظمة، انطلق شاروف موخيدينوف ببراعة على الرواق، مرسلاً تمريرة حاسمة وضعت زميله مراد بيك رحماتوف في مواجهة الشباك، لينفجر الملعب فرحاً بهدف مبكر أربك حسابات الفريق العراقي ومنح ناساف كارشي أفضلية معنوية هائلة.
حاول "قيثارة العراق" العودة سريعاً في النتيجة، إلا أن التنظيم الدفاعي للأوزبك كان حائط صد منيعاً. اتسم الشوط الأول بالالتحامات البدنية القوية، مما اضطر الحكم لإشهار البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب ناساف بوبور عبدخليكوف في الدقيقة 45، تعبيراً عن حالة التوتر والندية التي طغت على اللحظات الأخيرة من عمر الشوط الأول، الذي انتهى بتقدم أصحاب الأرض وسط حيرة المدرب المصري للشرطة مؤمن سليمان.
ثورة "مؤمن سليمان" والتحول الكبير
مع انطلاق الشوط الثاني، أدرك مؤمن سليمان أن الاستمرار بنفس النهج يعني ضياع المباراة، فاتخذ قراراً جريئاً وغير مألوف بإجراء ثلاثة تبديلات دفعة واحدة في مطلع هذا الشوط. دفع بكل من بسام شاكر، بوبكار موموني عبدالمجيد، وشريف عبدالعظيم بدلاء لكل من حسين جبار ومناف يونس ومصطفي سعدون. كان هذا التغيير الجذري بمثابة ضخ دماء جديدة في عروق الفريق العراقي، الذي بدأ يفرض إيقاعه ويسيطر على منطقة العمليات.
في المقابل، حاول ناساف امتصاص الحماس العراقي، لكن الخشونة بدأت تظهر في أدائهم نتيجة الضغط المتزايد، فتلقى أدينيس شالا بطاقة صفراء في الدقيقة 47، وتبعه زميله أويبيك رستموف ببطاقة أخرى في الدقيقة 59. هذه الإنذارات كانت مؤشراً على تراجع السيطرة الأوزبكية أمام المد الأخضر القادم من بغداد، والذي لم يتوقف عن المحاولات الهجومية المتكررة.
لحظة الانفجار العراقي وصناعة الفارق
في الدقيقة 62، واصل مؤمن سليمان رهانه الهجومي بإقحام أحمد فرحان بدلاً من دومينيك ميندي، ليزداد الضغط على دفاعات ناساف. ولم يتأخر الفرج العراقي كثيراً؛ ففي الدقيقة 68، ومن تمريرة سحرية من القائد عبدالرزاق قاسم، نجح البديل "الذهبي" شريف عبدالعظيم في هز شباك الفريق الأوزبكي، معلناً عن هدف التعادل الذي أشعل مدرجات الجماهير العراقية الحاضرة وأعاد المباراة إلى نقطة الصفر.
هذا الهدف أجبر روزيكول بيردييف على التحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فأجرى تبديلين متزامنين في الدقيقة 69 بدخول ديوربيك عبدونزاروف ويوسف أوتوبانجو، محاولاً استعادة توازن فريقه الذي بدا تائهاً بعد صدمة التعادل. استمر السجال في وسط الملعب، حيث حاول كل طرف خطف هدف القاتل، لكن الحذر الدفاعي كان هو السيد في الدقائق الأخيرة.
صراع الدقائق الأخيرة وتقاسم النقاط
شهدت الدقائق العشر الأخيرة ذروة الإثارة التكتيكية، حيث استنفد المدربان أوراقهما المتاحة. دخل ياشناربيك برديراحمنوف في صفوف ناساف، بينما دفع الشرطة بـ احمد يحيي لتأمين المناطق الدفاعية. وفي الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، حاول ناساف كسب الوقت وتنشيط الهجوم بدخول دافرونبيك أوسمانوف وبخدير خليلوف، لكن صافرة خالد التريس كانت أسرع، لتعلن نهاية ملحمة كروية بتعادل عادل أرضى الطرفين نسبياً بالنظر لمجريات اللقاء.
بالنظر إلى الإحصائيات، نجد أن المباراة كانت متكافئة إلى حد بعيد؛ فبينما تفوق ناساف في البداية والسيطرة المبكرة، كان الشرطة هو الطرف الأفضل في الشوط الثاني بفضل التبديلات الذكية والروح القتالية العالية. هذا التعادل رفع رصيد الشرطة العراقي إلى نقطتين في المركز الحادي عشر، بينما حصل ناساف كارشي على نقطته الأولى في البطولة محتلاً المركز الثاني عشر في جدول ترتيب مرحلة الدوري.
خاتمة: نقطة الأمل ومستقبل المنافسة
خرج الفريقان من ملعب "استقلال فرغانة" بنقطة قد تكون غالية في حسابات التأهل المعقدة لدوري أبطال آسيا للنخبة. بالنسبة لناساف كارشي، كانت المباراة فرصة ضائعة لتحقيق الفوز الأول، لكنها أكدت قدرتهم على التسجيل المبكر. أما بالنسبة للشرطة العراقي، فإن العودة في النتيجة خارج الديار تعكس شخصية الفريق القوية وقدرة مدربه مؤمن سليمان على قراءة الملعب وتغيير المسار في أصعب الظروف. تبقى الآمال معلقة على الجولات القادمة، حيث لا يزال الطريق طويلاً وشاقاً نحو الأدوار الإقصائية في أقوى بطولات القارة الصفراء.


