إعصار "العميد" يجتاح جدة: ليلة سباعية تاريخية للاتحاد في دوري أبطال آسيا للنخبة
لم تكن مجرد مباراة كرة قدم عادية تلك التي استضافها ملعب الإنماء بمدينة الملك عبدالله الرياضية في جدة؛ بل كانت عرضاً موسيقياً منفرداً، عزف فيه "نمور" الاتحاد سيمفونية كروية هزت أركان القارة الآسيوية. في ليلة شتويّة دافئة من ليالي فبراير، وتحديداً في العاشر من فبراير لعام 2026، شهد عشاق الساحرة المستديرة واحدة من أكبر النتائج في تاريخ دوري أبطال آسيا للنخبة، حيث دك الاتحاد شباك ضيفه الغرافة القطري بسبعة أهداف نظيفة، في مباراة ستبقى محفورة في ذاكرة الأجيال كواحدة من أكمل المباريات تكتيكياً وفنياً لكتيبة المدرب البرتغالي سيرجيو كونسيساو.
زئير النمور في "الجوهرة": أجواء ما قبل الانفجار
قبل إطلاق صافرة البداية من قبل الحكم الأردني أدهم مخادمة، كانت الأجواء في مدرجات ملعب الإنماء توحي بليلة استثنائية. امتلأت المدرجات بجماهير الاتحاد التي رسمت لوحات من الذهب والأسود، مرددة أهازيجها الشهيرة التي تمنح اللاعبين طاقة لا تنضب. التوقعات كانت تشير إلى مواجهة متكافئة نظراً لتاريخ الفريقين، لكن الحماس الذي ظهر على وجه لاعبي الاتحاد في الممر المؤدي للملعب كان ينبئ بعاصفة قادمة. الغرافة، بقيادة مدربه بيدرو مارتينز، دخل اللقاء طامحاً في الخروج بنتيجة إيجابية تحسن وضعه في جدول الترتيب، لكنه لم يكن يعلم أنه بصدد مواجهة إعصار لا يرحم.
الشوط الأول: بداية الصاعقة والسيطرة المطلقة
لم يمهل الاتحاد ضيوفه سوى ثلاث دقائق فقط ليعلن عن نواياه الهجومية الكاسحة. ومن انطلاقة سريعة للظهير الطائر مهند الشنقيطي، أرسل كرة عرضية متقنة ارتقى لها القناص المغربي يوسف النصيري في الدقيقة 3، ليودعها الشباك برأسية لا ترد. ورغم لجوء الحكم لتقنية الفيديو (VAR) للتأكد من صحة الهدف، إلا أن القرار جاء مؤكداً لتبدأ الاحتفالات الباكرة. استمر الضغط الاتحادي وسط ارتباك واضح في صفوف الغرافة، وفي الدقيقة 20، تلاعب محمدو دومبيا بدفاعات الخصم مهدياً كرة ذهبية للنجم الجزائري حسام عوار، الذي لم يتوانَ في وضعها داخل المرمى معلناً الهدف الثاني.
كاد الاتحاد أن ينهي الشوط الأول بثلاثية عندما سجل روجر فيرنانديز هدفاً في الدقيقة 26 بعد تمريرة أخرى من الشنقيطي، لكن تقنية الفيديو تدخلت هذه المرة لتلغي الهدف بداعي التسلل. ورغم نيل روجر بطاقة صفراء في الدقيقة 32، إلا أن السيطرة الاتحادية ظلت هي العنوان الأبرز لهذا الشوط، وسط محاولات خجولة من ياسين براهيمي ورفاقه لتقليص الفارق، لينتهي النصف الأول بتقدم مريح للعميد بهدفين دون رد.
الشوط الثاني: مهرجان الأهداف والانهيار القطري
مع بداية الشوط الثاني، حاول مدرب الغرافة تدارك الموقف بإشراك ألفارو ديجالو بدلاً من فلورينيل كومان، لكن الرياح الاتحادية كانت تجري بما لا تشتهي سفن "الفهود". ففي الدقيقة 49، نجح روجر فيرنانديز أخيراً في تدوين اسمه بكشوف الهدافين بعد تمريرة حاسمة ثالثة من المتألق مهند الشنقيطي. ولم يكد الغرافة يستفيق من صدمة الثالث، حتى ارتقى المدافع المخضرم دانيلو بيريرا في الدقيقة 51 ليحول عرضية حسام عوار إلى هدف رابع، وسط ذهول تام من لاعبي الغرافة.
تواصل الطوفان الأصفر، وفي الدقيقة 58، عاد حسام عوار ليسجل هدفه الشخصي الثاني والخامس لفريقه بعد تمريرة رائعة من يوسف النصيري. ولم تتوقف الماكينة الاتحادية عند هذا الحد، ففي الدقيقة 62، انطلق موسى ديابي كالسهم على الرواق مهدياً كرة مقشرة لـ روجر فيرنانديز الذي سجل هدفه الثاني والسادس للاتحاد. في هذه اللحظات، بدا الملعب وكأنه مسرح لعرض من طرف واحد، حيث عجز لاعبو الغرافة عن مجاراة السرعة والمهارة العالية لكتيبة كونسيساو.
اللمسات الأخيرة وهاتريك "عوار" التاريخي
بعد ضمان النتيجة، بدأ المدرب سيرجيو كونسيساو في إراحة نجومه، فأجرى تبديلات ثلاثية في الدقيقة 64 بدخول جورج إلينخينا، عبد العزيز البيشي، وستيفان كيلر. ورغم خروج النصيري وفيرنانديز، إلا أن الجوع الاتحادي للأهداف لم ينتهِ. وفي الدقيقة 79، أبى حسام عوار إلا أن يغادر الملعب بكرة المباراة، حيث سجل الهدف السابع للاتحاد و"الهاتريك" الشخصي له بعد تمريرة متقنة من البديل عبد العزيز البيشي.
المباراة شهدت أيضاً بعض التوتر في دقائقها الأخيرة، حيث نال فابريسيو دياز بطاقة صفراء للغرافة قبل خروجه، كما حصل النجم الجزائري ياسين براهيمي على إنذار في الدقيقة 81 تعبيراً عن حالة الإحباط التي أصابت فريقه. أدار الحكم أدهم مخادمة الدقائق المتبقية بهدوء حتى أطلق صافرة النهاية، معلناً عن فوز تاريخي للاتحاد بسباعية بيضاء.
التحليل التكتيكي: عبقرية كونسيساو وتفكك الغرافة
أثبت المدرب سيرجيو كونسيساو تفوقه التكتيكي الكاسح من خلال الاعتماد على الأطراف، حيث كان مهند الشنقيطي مفتاح اللعب الأول بصناعته لثلاثة أهداف. كما أن الربط بين خط الوسط والهجوم بوجود حسام عوار جعل من عملية الاختراق أمراً يسيراً. في المقابل، عانى الغرافة من فجوات هائلة في خط الظهر، ولم تنجح تبديلات بيدرو مارتينز في إيقاف النزيف، حيث ظهر الفريق مفككاً وغير قادر على بناء هجمة واحدة منظمة تحت الضغط العالي الذي مارسه لاعبو الاتحاد طوال التسعين دقيقة.
تشير الإحصائيات إلى هيمنة اتحادية مطلقة، حيث رفع الفريق رصيده إلى 12 نقطة ليقفز إلى المركز الخامس في ترتيب المجموعة، مسجلاً 18 هدفاً في مشواره حتى الآن. أما الغرافة، فقد تجمد رصيده عند 6 نقاط في المركز العاشر، مثقلاً بجراح هزيمة هي الأقسى له في البطولة، حيث استقبلت شباكه 19 هدفاً في إجمالي مبارياته.
الخاتمة: رسالة قوية من "العميد" للقارة
بهذه النتيجة الكبيرة، وجه الاتحاد رسالة شديدة اللهجة لجميع المنافسين في دوري أبطال آسيا للنخبة، مؤكداً أنه رقم صعب ومنافس شرس على اللقب. لم يكن الفوز مجرد ثلاث نقاط، بل كان استعادة للهيبة وفرضاً للشخصية القيادية في الملاعب القارية. وبينما غادرت جماهير الاتحاد الملعب وهي تترنم بسباعية النصر، بقي التساؤل لدى المحللين: هل هناك من يستطيع إيقاف هذا الإعصار الاتحادي في طريقه نحو المجد القاري؟ الأيام القادمة وحدها كفيلة بالإجابة، لكن الأكيد أن ليلة السبعة ستبقى فصلاً مضيئاً في تاريخ "العميد".


