ليلة الجنون في جدة: الأهلي يحسم ملحمة الأهداف السبعة أمام شباب الأهلي
تحت أضواء ملعب الإنماء بمدينة الملك عبدالله الرياضية بجدة، وفي ليلة لم تعرف الهدوء منذ صافرة البداية وحتى اللحظات الأخيرة، عاشت الجماهير فصلاً من فصول الإثارة الكروية الخالصة. كانت المباراة أكثر من مجرد مواجهة في دوري أبطال آسيا للنخبة؛ بل كانت ملحمة درامية تقلب فيها المصير بين اكتساح أهلاوي تام وعودة إماراتية كادت أن تلامس حدود المستحيل. وبصافرة الحكم احمد العلي، أعلن الستار عن فوز "الراقي" بنتيجة أربعة أهداف مقابل ثلاثة، في مباراة ستبقى طويلاً في ذاكرة عشاق القارة الصفراء.
إعصار أخضر يجتاح عرين "الفرسان"
بدأت المباراة وسط أجواء جماهيرية صاخبة، حيث ملأت أهازيج جماهير الأهلي جنبات الملعب، مما أعطى لاعبي المدرب ماتياس يايسله دفعة معنوية هائلة. لم يمهل الأهلي ضيفه الإماراتي الكثير من الوقت لترتيب أوراقه؛ ففي الدقيقة الثانية عشرة، ومن لمسة ساحرة من النجم الجزائري رياض محرز، ارتقى القناص فراس البريكان ليودع الكرة الشباك، معلناً عن أول الأهداف بعد تأكيد تقنية الفيديو، لتنفجر المدرجات فرحاً.
استمر الضغط الأهلاوي وسط ارتباك واضح في دفاعات شباب الأهلي دبي بقيادة المدرب باولو سوزا. ومع حلول الدقيقة الخامسة والثلاثين، تعمقت جراح الضيوف عندما أخطأ المدافع بوجدان بلانيتش في إبعاد الكرة ليسجل هدفاً عكسياً في مرماه، واضعاً فريقه في موقف لا يحسد عليه. وقبل أن يلفظ الشوط الأول أنفاسه الأخيرة، وتحديداً في الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع، أرسل زكريا هوساوي تمريرة حاسمة استغلها إنزو ميلو ببراعة ليسجل الهدف الثالث، منهياً الشوط الأول بتقدم كاسح للأهلي بثلاثية نظيفة.
الرهان على التغيير وبداية الانقلاب الدرامي
مع بداية الشوط الثاني، أجرى يايسله تغييرات جريئة دفعة واحدة، حيث دفع بـ صالح ابو الشامات ومحمد عبدالرحمن وماتيو دامس بدلاً من جالينو وزكريا هوساوي وروجر إيبانيز، في محاولة لضخ دماء جديدة والحفاظ على الرتم العالي. ولم يخيب صالح ابو الشامات ظن مدربه، ففي الدقيقة الثانية والخمسين، نجح في ترجمة ركلة جزاء إلى هدف رابع، لتبدو المباراة وكأنها انتهت إكلينيكياً لصالح أصحاب الأرض بنتيجة 4-0.
لكن كرة القدم لا تعترف بالاستسلام، وهو ما جسده لاعبو شباب الأهلي دبي. بدأ المدرب باولو سوزا بسلسلة تبديلات هجومية، كان أبرزها دخول برينو كاسكاردو وكاوان سانتوس. وفي الدقيقة السادسة والستين، بدأت شرارة العودة عندما أرسل نيمانيا ماكسيموفيتش تمريرة ذكية اقتنصها البديل برينو كاسكاردو ليسجل الهدف الأول للضيوف، معيداً بصيص الأمل لـ "الفرسان".
دقائق من حبس الأنفاس وصمود "الراقي"
تحولت أجواء الملعب من الاحتفال إلى التوتر والقلق، خاصة مع تراجع مردود الأهلي البدني. وفي الدقيقة الثامنة والسبعين، عاد المتألق برينو كاسكاردو ليضرب من جديد مسجلاً هدفه الشخصي الثاني والثاني لفريقه، لتصبح النتيجة 4-2 وتشتعل المباراة من جديد. الأهلي حاول استعادة توازنه بدخول عيد المولد بدلاً من أتانغانا، لكن الضغط الإماراتي كان شرساً.
دخلت المباراة في نفق مظلم بالنسبة للأهلي عندما أشهر الحكم البطاقة الصفراء في وجه عيد المولد في الدقيقة التسعين، ليزداد الضغط النفسي. وفي الدقيقة الخامسة من الوقت بدل الضائع، صعق محمد جمعه الجميع بتسجيل الهدف الثالث لشباب الأهلي دبي، لتصبح النتيجة 4-3. عاشت جماهير الأهلي لحظات عصيبة، يترقبون فيها صافرة النهاية خوفاً من تعادل تاريخي، حتى أطلق الحكم صافرته معلناً نهاية واحدة من أكثر المباريات إثارة في البطولة.
التحليل الفني: مغامرة يايسله وإصرار سوزا
كشفت الإحصائيات عن تفوق طفيف لشباب الأهلي دبي في الاستحواذ بنسبة 55% مقابل 45% للأهلي، مما يعكس تراجع أصحاب الأرض في الشوط الثاني. ورغم أن الأهلي كان الأكثر فاعلية بتسديد 12 تسديدة منها 4 على المرمى (سجل منها جميعاً)، إلا أن التبديلات المبكرة التي أجراها يايسله أثرت على الانسجام الدفاعي للفريق، مما سمح لشباب الأهلي بالعودة. في المقابل، يحسب لباولو سوزا شجاعته في التبديلات، حيث سجل البدلاء الأهداف الثلاثة، وكاد أن يخطف تعادلاً ثميناً لولا ضيق الوقت.
تميز الأهلي باللعب المباشر والاعتماد على الأطراف، حيث كانت عرضيات رياض محرز وزكريا هوساوي مفتاح الوصول للمرمى في الشوط الأول. أما في الشوط الثاني، فقد ظهر جلياً تأثر الفريق بخروج روجر إيبانيز، مما أحدث فجوات في العمق الدفاعي استغلها "الفرسان" ببراعة من خلال التمريرات القصيرة والتحرك السريع خلف المدافعين.
الخاتمة: فوز يرسخ الأقدام ودروس للمستقبل
بهذا الانتصار الصعب، رفع الأهلي رصيده إلى 17 نقطة، محتلاً المركز الثاني في جدول ترتيب دوري أبطال آسيا للنخبة، ليقترب أكثر من حسم تأهله إلى الأدوار الإقصائية بموقف قوي. ورغم الفوز، فإن المباراة تركت دروساً قاسية للمدرب يايسله حول كيفية إدارة التقدم المريح وتجنب التراخي في الدقائق الأخيرة.
أما شباب الأهلي دبي، فرغم الخسارة وتجمد رصيده عند 11 نقطة في المركز السادس، فقد كسب احترام الجميع بروحه القتالية العالية وقدرته على العودة من بعيد. لقد كانت ليلة كروية جسدت روعة التنافس الخليجي في المحفل القاري، حيث امتزجت فيها المهارة الفنية بالدراما الإنسانية، لتنتهي بفرحة أهلاوية ممزوجة بدموع القلق، وخسارة إماراتية بطعم الفخر.


