تعادل بطعم الإثارة.. القادسية والشباب يقتسمان النقاط في ملحمة الدمام
تحت أضواء استاد الأمير محمد بن فهد بالدمام، وفي ليلة ربيعية من ليالي دوري روشن السعودي، حبست الجماهير أنفاسها وهي تتابع فصول رواية كروية لم تخلُ من الدراما والتقلبات. كانت المواجهة بين القادسية والشباب أكثر من مجرد مباراة بثلاث نقاط؛ كانت صراعاً تكتيكياً بين فكر بريندان رودجرز وطموح نور الدين زكري، انتهى باقتسام الغنائم في تعادل مثير بنتيجة 2-2، ليبقى كل فريق في موقعه بجدول الترتيب وسط أجواء مشحونة بالندية حتى الصافرة الأخيرة.
بداية هادرة وصدمة قدساوية مبكرة
دخل القادسية اللقاء وهو يدرك أن الحفاظ على سجله الخالي من الهزائم على أرضه يتطلب تركيزاً فائقاً. ومع انطلاق صافرة الحكم الليتواني دوناتاس رومساس، بدأت الماكينة القدساوية في الدوران. لم ينتظر أصحاب الأرض كثيراً لترجمة أفضليتهم الميدانية، ففي الدقيقة 16، ومن جملة فنية رائعة، نجح ماتيو ريتيجوي في صناعة تمريرة ذهبية لزميله كريستوفر باه، الذي لم يتوانَ في إيداع الكرة الشباك، مفجراً صرخات الفرح في مدرجات الدمام ومُعلناً عن هدف التقدم للقادسية.
هذا الهدف المبكر أشعل فتيل المباراة، حيث حاول الشباب العودة سريعاً وتنظيم صفوفه تحت توجيهات زكري المستمرة من المنطقة الفنية. وبينما كان القادسية يسعى لتعزيز تقدمه، كان للشباب رأي آخر في الدقيقة 35. ومن هجمة منظمة قادها باسل السيالي، وصلت الكرة إلى المهاجم المتألق علي عزايزة الذي أسكنها الشباك ببراعة، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر ويُنهي الشوط الأول بتعادل إيجابي عكس حجم الصراع في وسط الميدان.
إثارة الـ "VAR" وتفوق شبابي مؤقت
مع بداية الشوط الثاني، ارتفعت حدة الالتحامات، وهو ما تجلى في حصول أوتافيو لاعب القادسية على بطاقة صفراء في الدقيقة 53. ولم تكد تمر دقيقة واحدة حتى صدم الشباب مضيفه بهدف ثانٍ حمل توقيع علي عزايزة مجدداً في الدقيقة 54، بعد تمريرة حاسمة من المخضرم عبد الرزاق حمدالله. لحظات من الترقب سادت الملعب بانتظار قرار تقنية الفيديو (VAR)، التي أكدت صحة الهدف، ليجد بريندان رودجرز نفسه في مأزق تكتيكي استوجب تدخلاً سريعاً.
رودجرز، المعروف بمرونته التكتيكية، لم يقف مكتوف الأيدي، فأجرى تبديلات مزدوجة في الدقيقة 61 بدخول جهاد ذكري وتركي العمار بدلاً من إبراهيم محنشي وياسر الشهراني. هذه التغييرات ضخت دماءً جديدة في عروق القادسية، رغم أن العمار غادر الملعب لاحقاً في الدقيقة 69 ليدخل مكانه علي هزازي في تغيير تكتيكي بحت يهدف للسيطرة على معركة الوسط.
منعرج المباراة.. ريتيجوي والبطاقة الحمراء
في الربع الأخير من المباراة، بلغت الإثارة ذروتها. ففي الدقيقة 75، استطاع النجم ماتيو ريتيجوي أن يتقمص دور المنقذ، حيث سجل هدف التعادل للقادسية، معيداً الأمل لجماهير "بنو قادس". لكن الدراما لم تتوقف هنا؛ فبعد دقيقة واحدة فقط من الهدف، تلقى الشباب ضربة موجعة بطرد مدافعه ويسلي هويدت بالبطاقة الحمراء في الدقيقة 76، مما أجبر نور الدين زكري على التراجع الدفاعي وتغيير استراتيجيته للحفاظ على النتيجة.
اضطر مدرب الشباب لإخراج صاحب الثنائية علي عزايزة وإشراك المدافع محمد الشويرخ لتأمين المناطق الخلفية، ثم تبع ذلك بدخول همام الهمامي بدلاً من يانيك كاراسكو في الدقائق الأخيرة. القادسية من جانبه حاول استغلال النقص العددي، وأشرك عمار الوهيبي بدلاً من أوتافيو، إلا أن دفاع الشباب وصمود الحارس مارسيلو جروهى، الذي نال بطاقة صفراء في الوقت بدل الضائع (90+2) بسبب إضاعة الوقت، حال دون وصول القادسية للمرمى للمرة الثالثة.
تحليل تكتيكي وصمود دفاعي
شهدت المباراة تفوقاً طفيفاً للقادسية في الاستحواذ، خاصة بعد طرد هويدت، حيث حاول الفريق استغلال الأطراف وعرضيات البدلاء. ومع ذلك، أظهر الشباب انضباطاً تكتيكياً عالياً تحت قيادة زكري، الذي عرف كيف يمتص حماس الخصم ويخرج بنقطة ثمينة من ملعب صعب. الإحصائيات تشير إلى مباراة متكافئة في معظم فتراتها، حيث كانت التدخلات الدفاعية حاسمة في منع زيادة الحصيلة التهديفية للفريقين.
تأثير التبديلات كان واضحاً في جانب القادسية الذي استعاد توازنه الهجومي، بينما كانت تبديلات الشباب اضطرارية وتأمينية بامتياز. الحكم دوناتاس رومساس أدار اللقاء بصرامة، حيث أشهر البطاقة الصفراء ثلاث مرات (أوتافيو، سعد العبيد، ومارسيلو جروهى) بالإضافة إلى حالة الطرد المباشر التي غيرت مجرى الدقائق العشر الأخيرة.
خاتمة: صراع المربع والبقاء
بهذا التعادل، رفع القادسية رصيده إلى 62 نقطة مستقراً في المركز الرابع، ليواصل مساعيه الجادة في المنافسة على مراكز النخبة، محتفظاً بسجله المميز على أرضه حيث حقق 9 انتصارات و6 تعادلات دون أي خسارة في الدمام هذا الموسم. في المقابل، رفع الشباب رصيده إلى 31 نقطة في المركز الثاني عشر، وهي نقطة قد تكون غالية جداً في مسيرته للابتعاد عن مناطق الخطر وتحسين وضعه في الجولات القادمة.
خرج الفريقان من المستطيل الأخضر وهما يدركان أن المباراة كانت اختباراً حقيقياً للشخصية والقدرة على العودة. القادسية أثبت أنه فريق لا يستسلم، والشباب أكد أن الروح القتالية يمكنها تعويض النقص العددي أمام أقوى المنافسين. تبقى هذه المواجهة عالقة في الأذهان كواحدة من أكثر مباريات الجولة إثارة وندية في دوري روشن السعودي.


