إعصار "الموج الأزرق" يجتاح المملكة أرينا: ليلة تاريخية بطلها بنزيما
تحت أضواء "المملكة أرينا" الساطعة، وفي ليلة حبست أنفاس عشاق الساحرة المستديرة في العاصمة الرياض، لم يكن الهلال مجرد فريق يلعب كرة القدم، بل كان إعصاراً أزرق لا يبقي ولا يذر. في مواجهة بدت للوهلة الأولى اختباراً للثبات، تحولت إلى استعراض هجومي كاسح، حيث دك "الزعيم" شباك ضيفه الخلود بسداسية نظيفة، في ليلة ستبقى طويلاً في ذاكرة دوري روشن السعودي، ليلة أثبت فيها أبناء المدرب سيمون إنزاجي أن طموحهم لا يحده سماء.
بداية عاصفة: ثنائية في رمشة عين
لم يمنح الهلال ضيفه فرصة لالتقاط الأنفاس أو حتى جس النبض؛ فمنذ أن أطلق الحكم الألماني سفين يابلونسكي صافرة البداية، كشر الهلال عن أنيابه. في الدقيقة السابعة، وبينما كان الجمهور لا يزال يضبط إيقاع تشجيعه، أرسل النجم الصربي سيرجي ميلينكوفيتش سافيتش تمريرة حريرية اخترقت حصون الخلود، لتجد الظهير المتقدم متعب الحربي الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معلناً عن الهدف الأول ومفجراً بركان الفرح في المدرجات.
وقبل أن يستفيق لاعبو الخلود من صدمة الهدف الأول، ومن هجمة مرتدة منظمة قادها البرازيلي مالكوم في الدقيقة الثامنة، وصلت الكرة إلى القناص الفرنسي كريم بنزيما. بلمسة الكبار، وضع بنزيما الكرة في الشباك، ورغم توقف اللعب للحظات بانتظار تأكيد تقنية الفيديو (VAR)، إلا أن القرار جاء ليؤكد شرعية الهدف، معلناً تقدم الهلال بهدفين نظيفين في أقل من عشر دقائق، في سيناريو لم يتوقعه أشد المتفائلين من عشاق الأزرق.
بنزيما.. ملك الليلة بامتياز
استمر الضغط الهلالي كأمواج البحر التي لا تتوقف، وسط تراجع كامل للاعبي الخلود الذين بدا عليهم الارتباك أمام سرعة وتناغم خط وسط الهلال. وفي الدقيقة 31، احتسب الحكم ركلة جزاء للهلال، انبرى لها كريم بنزيما. ساد الصمت أرجاء الملعب، سدد الفرنسي الكرة لكن الحارس تصدى لها، إلا أن إصرار "الحكومة" كان أقوى، حيث تابع الكرة المرتدة ببراعة ليسكنها الشباك محرزاً هدفه الشخصي الثاني والثالث لفريقه.
هذا الانهيار في صفوف الخلود دفع المدرب ديس باكنجهام لإجراء تبديل اضطراري مبكر في الدقيقة 34، بخروج محمد صوعان، الذي كان قد تلقى بطاقة صفراء قبل ذلك، ودخول سلطان الشهري في محاولة لترميم الصفوف. لكن الهلال لم يكتفِ، وفي اللحظات الأخيرة من الوقت بدل الضائع للشوط الأول (45+5)، عاد الثنائي الذهبي للظهور مجدداً؛ تمريرة حاسمة أخرى من سافيتش وضعها كريم بنزيما في المرمى، ليكمل "الهاتريك" الشخصي وينهي الشوط الأول بتقدم كاسح برباعية نظيفة، وسط ذهول لاعبي الخلود وإحباطهم الواضح.
الشوط الثاني: استمرار المعزوفة الزرقاء
مع بداية الشوط الثاني، أجرى سيمون إنزاجي تبديلات تكتيكية لإراحة بعض نجومه وتجربة عناصر جديدة، حيث دفع بمراد هوساوي وسلطان مندش بدلاً من محمد كنو ومالكوم. لم يتغير الإيقاع كثيراً، فالهلال ظل مستحوذاً بنسبة وصلت إلى 57%، مسيطراً على منطقة العمليات بفضل تحركات سافيتش الذي نال بطاقة صفراء في الدقيقة 52 نتيجة حماسه الزائد.
في الدقيقة 55، جاء الدور على القائد سالم الدوسري ليضع بصمته الخاصة. ومن تمريرة متقنة من البديل مراد هوساوي، أطلق الدوسري تسديدة سكنت الشباك، معلناً عن الهدف الخامس. كانت الأجواء في الملعب احتفالية بامتياز، حيث رددت الجماهير أهازيج النصر، بينما كان لاعبو الخلود يحاولون جاهدين تقليص الفارق، لكن صلابة دفاع الهلال بقيادة حسان تمبكتي ومن خلفه الحارس منعت أي خطورة حقيقية، حيث لم يسجل الخلود سوى تسديدة واحدة فقط على المرمى طوال المباراة.
تغييرات ناجحة ورصاصة الرحمة
واصل إنزاجي إدارة المباراة بذكاء، حيث أخرج متعب الحربي ودفع بعبد الكريم دارسي، ثم أجرى تبديلين مزدوجين بدخول علي لاجامي وماركوس ليوناردو بدلاً من تمبكتي وسالم الدوسري. هذه التبديلات حافظت على حيوية الفريق، وفي الدقيقة 76، تقمص بنزيما دور صانع الألعاب هذه المرة، حيث مرر كرة ذهبية للبديل الشاب ماركوس ليوناردو، الذي لم يجد صعوبة في تسجيل الهدف السادس، مختتماً مهرجان الأهداف.
شهدت الدقائق الأخيرة بعض التوتر مع حصول مراد هوساوي من الهلال ومنصور كامارا من الخلود على بطاقات صفراء، لكن المباراة كانت قد حُسمت تماماً. حاول ديس باكنجهام مدرب الخلود إجراء عدة تبديلات بدخول كيفين ندورام وجمعان الدوسري وعبد الرحمن السفاري، إلا أن الفوارق الفنية والبدنية كانت شاسعة، لينتهي اللقاء بسيطرة هلالية مطلقة تجسدت في 9 تسديدات على المرمى مقابل واحدة يتيمة للضيوف.
الخاتمة: الهلال يغرد خارج السرب
بهذه النتيجة العريضة، رفع الهلال رصيده إلى 68 نقطة، مواصلاً مطاردة الصدارة بكل قوة ومحافظاً على سجله خالياً من الهزائم في الدوري هذا الموسم، حيث حقق فوزه العشرين. هذه المباراة لم تكن مجرد ثلاث نقاط، بل كانت استعراضاً للقوة الهجومية الضاربة وتأكيداً على عمق التشكيلة التي يمتلكها إنزاجي، حيث سجل البدلاء وصنعوا، وتألق النجوم الكبار بقيادة بنزيما وسافيتش.
في المقابل، تجمد رصيد الخلود عند 26 نقطة في المركز الرابع عشر، ليدخل الفريق في دائرة الحسابات المعقدة للهروب من مناطق الخطر. لقد كانت ليلة "المملكة أرينا" درساً قسياً في فنون كرة القدم، عنوانه الأبرز أن الهلال حين يقرر الضرب، فإنه يضرب بقوة الزلزال، تاركاً خلفه خصوماً يحاولون لملمة جراحهم أمام سطوة "كبير آسيا".


