زئير الهلال في المجمعة: سلطان مندش يحسم ليلة الصمود والتقلبات أمام الفيحاء
تحت أضواء استاد مدينة المجمعة الرياضية، وفي أمسية كروية حبست الأنفاس حتى رمقها الأخير، نجح نادي الهلال في عبور محطة الفيحاء الصعبة بانتصار ثمين قوامه هدف نظيف، ضمن منافسات دوري روشن السعودي. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت صراعاً تكتيكياً رفيع المستوى، تداخلت فيه قرارات تقنية الفيديو مع براعة اللاعبين، لتخرج المواجهة بسيناريو درامي جعل الجماهير الحاضرة تعيش على أعصابها طوال 95 دقيقة من الإثارة المتواصلة.
بداية عاصفة وهدف مباغت
لم يمهل الهلال مضيفه الكثير من الوقت لترتيب أوراقه، فمع إطلاق الحكم الدولي إيفان كروزلياك لصافرة البداية، كشر "الزعيم" عن أنيابه الهجومية. وفي الدقيقة الرابعة فقط، ومن جملة تكتيكية اتسمت بالدقة والسرعة، أرسل النجم الصربي سيرجي سافيتش تمريرة حريرية اخترقت حصون الفيحاء، لتجد المتربص سلطان مندش الذي لم يتوانَ في إيداعها الشباك، معلناً عن تقدم هلالي مبكر أشعل المدرجات الزرقاء.
هذا الهدف المبكر أعطى انطباعاً بأننا أمام مهرجان أهداف، لكن الواقع كان يخفي الكثير من المفاجآت. الفيحاء، بقيادة مدربه بيدرو ايمانويل، رفض الاستسلام وأظهر رباطة جأش كبيرة، محاولاً العودة في النتيجة عبر الهجمات المرتدة السريعة التي أربكت دفاعات الهلال في أكثر من مناسبة.
دراما "الفار" وإلغاء الأفراح
شهد الشوط الأول فصولاً من الإثارة التي كان بطلها تقنية الفيديو (VAR). في الدقيقة 16، انطلقت صرخة فرح في جنبات ملعب المجمعة عندما سجل عبدالله رديف هدف التعادل للفيحاء بعد تمريرة من ستيليانوس فرونتيس، لكن الحكم كروزلياك، وبعد العودة للتقنية، قرر إلغاء الهدف وسط حسرة كبيرة من لاعبي البرتقالي. لم تتوقف الإثارة عند هذا الحد، ففي الدقيقة 38، تكرر المشهد ذاته ولكن في الجانب الهلالي، حيث سجل ماركوس ليوناردو هدفاً ثانياً بعد صناعة من مالكوم، إلا أن "الفار" تدخل مرة أخرى ليحرم الهلال من تعزيز تقدمه، لينتهي الشوط الأول بتقدم هلالي هش وسط أجواء مشحونة بالترقب.
كانت ملامح الغضب والتركيز واضحة على وجه سيمون إنزاجي، مدرب الهلال، الذي كان يدرك أن التقدم بهدف واحد في ظل استبسال الفيحاء هو مخاطرة كبيرة، بينما كان بيدرو ايمانويل يحفز لاعبيه بين الشوطين مؤمناً بقدرتهم على إحداث المفاجأة.
ركلة جزاء ضائعة وصمود برتقالي
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل الهلال وعينه على قتل المباراة. وفي الدقيقة 61، تدخلت التقنية مرة أخرى لتمنح الهلال ركلة جزاء في الدقيقة 64. انبرى لها الأخصائي روبن نيفيس، وسط ترقب الجميع لتعزيز النتيجة، لكن نيفيس أهدر الركلة بغرابة، مما أعاد الروح لكتيبة الفيحاء وجماهيرهم التي بدأت تؤمن بأن العودة ممكنة.
بدأت التحركات التكتيكية من جانب المدربين؛ حيث أجرى الفيحاء سلسلة تبديلات في الدقيقة 65 بدخول سيلفير جانفولو وألفا سيميدو بدلاً من أحمد بامسعود وياسين بنزية، لزيادة الكثافة الهجومية. وفي المقابل، حاول إنزاجي تنشيط فريقه بإدخال محمد قادر ميتي بدلاً من ماركوس ليوناردو في الدقيقة 69، سعياً للسيطرة على وسط الميدان الذي بدأ يشهد صراعات بدنية عنيفة أدت لحصول لاعبي الفيحاء جاسون ومخير الرشيدي على بطاقات صفراء في الدقائق 71 و74.
الدقائق الأخيرة.. صراع الإرادة والخبرة
في العشر دقائق الأخيرة، بلغت الإثارة ذروتها. دفع مدرب الفيحاء بكل أوراقه بإشراك سطام الروقي وميكيل فيلانويفا، محاولاً استغلال أي هفوة دفاعية هلالية. أما إنزاجي، فقد أظهر خبرته الكبيرة في إدارة الدقائق الأخيرة، حيث أجرى تبديلات استراتيجية في الدقيقة 88 بدخول القائد سالم الدوسري بدلاً من مالكوم، وعلي لاجامي بدلاً من حسان تمبكتي لتأمين المناطق الخلفية، بالإضافة إلى دخول سايمون بوابري بدلاً من محمد كنو.
رغم استحواذ الهلال الذي وصل إلى 61% ودقة تمريرات بلغت 91.6%، إلا أن الفيحاء ظل خطيراً حتى الثواني الأخيرة، محاولاً استغلال الركنيات والعرضيات، لكن دفاع الهلال بقيادة الحارس المتيقظ حال دون وصول الكرة للشباك. الإحصائيات أظهرت تفوقاً هلالياً في السيطرة، لكنها كشفت أيضاً عن نجاعة دفاعية للفيحاء الذي لم يسمح للهلال إلا بتسديدة واحدة فقط على المرمى طوال المباراة، وهي التي جاء منها الهدف.
خاتمة: فوز بطعم الذهب للهلال
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية، تنفس أنصار الهلال الصعداء. هذا الفوز رفع رصيد الهلال إلى 84 نقطة، معززاً موقعه في المركز الثاني ومواصلاً مطاردة الصدارة بجدية كبيرة، ومحافظاً على سجله الخالي من الهزائم هذا الموسم. في المقابل، تجمد رصيد الفيحاء عند 38 نقطة في المركز العاشر، لكنه كسب احترام الجميع بأدائه القوي وتنظيمه الدفاعي المحكم.
لقد أثبتت المباراة أن دوري روشن لا يعترف بالأسماء فقط، بل بالجهد المبذول فوق المستطيل الأخضر. الهلال ظفر بالنقاط الثلاث بفضل خبرة لاعبيه وهدف مندش المبكر، بينما خرج الفيحاء مرفوع الرأس بعد أن كان نداً قوياً لعملاق القارة، في ليلة ستبقى طويلاً في ذاكرة جماهير المجمعة لما شهدته من تقلبات درامية وقرارات تحكيمية حاسمة.


