زلزال في "المملكة أرينا".. الهلال يقلب الطاولة على الفيحاء برباعية نارية
تحت أضواء "المملكة أرينا" الساطعة في قلب العاصمة الرياض، لم تكن مجرد مباراة عادية في دوري روشن السعودي، بل كانت فصلاً جديداً من فصول الهيمنة الزرقاء التي لا تعرف التوقف. في ليلة شتوية صاخبة، استقبل الهلال ضيفه الفيحاء في مواجهة حبست الأنفاس منذ لحظاتها الأولى، وانتهت بانتصار عريض لكتيبة المدرب الإيطالي سيمون إنزاجي بنتيجة أربعة أهداف مقابل هدف واحد، مؤكدة أن "الزعيم" لا يرضى بغير القمة سبيلاً.
صدمة البداية وهدوء ما قبل العاصفة
بدأت المباراة وسط أجواء جماهيرية مهيبة، حيث غطى اللون الأزرق مدرجات الملعب الأيقوني، وكان الترقب سيد الموقف. أطلق الحكم الروسي سيرجي كرسيف صافرة البداية، ولم يكد الجمهور يستقر في مقاعده حتى حدث ما لم يكن في الحسبان. في الدقيقة الرابعة عشرة، ومن هجمة مرتدة خاطفة اتسمت بالسرعة والدقة، نجح المهاجم الزامبي فاشون ساكالا في هز شباك الهلال، معلناً عن تقدم مفاجئ للفيحاء. خيم الصمت للحظات على "المملكة أرينا"، وبدا أن خطة المدرب بيدرو ايمانويل في إغلاق المساحات والاعتماد على المرتدات تؤتي ثمارها مبكراً.
لم يرتكب لاعبو الهلال حماقة الاستعجال، بل استمروا في تدوير الكرة بهدوء يحسدون عليه، حيث وصلت نسبة استحواذهم إلى 65% طوال اللقاء. كانت التمريرات البينية تتدفق كالنهر، حيث بلغت تمريرات الهلال 684 تمريرة بدقة وصلت إلى 90%، مما جعل لاعبي الفيحاء في حالة ركض مستمر لمحاولة استعادة الكرة.
انتفاضة "الزعيم" وقلب الموازين
ومع اقتراب الشوط الأول من نهايته، بدأت ملامح العودة الهلالية تلوح في الأفق. وفي الدقيقة السابعة والثلاثين، ومن جملة تكتيكية رائعة، أرسل ماركوس ليوناردو تمريرة حاسمة متقنة، استقبلها النجم الصربي سيرجي سافيتش ببراعة ليودعها الشباك، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. لم يكتفِ الهلال بالتعادل، بل ضغط بكل ثقله، وقبيل أن يطلق الحكم صافرة نهاية الشوط الأول، وتحديداً في الدقيقة 45، ارتكب حارس الفيحاء أورلاندو ماسكويرا خطأً فادحاً بتسجيله هدفاً عكسياً في مرماه، ليخرج الهلال متقدماً بهدفين لهدف وسط حسرة لاعبي الفيحاء.
سيمفونية الشوط الثاني وإحكام القبضة
دخل الهلال الشوط الثاني برغبة جامحة في حسم الأمور، ولم يتراجع للخلف رغم تقدمه. وفي الدقيقة 61، تجلت مهارة صانع الألعاب البرتغالي روبن نيفيس الذي أرسل كرة عرضية بالمقاس على رأس البديل الاستراتيجي محمد كنو، الذي ارتقى فوق الجميع ووضعها في المرمى، معلناً الهدف الثالث للهلال. هذا الهدف قتل طموحات الفيحاء تماماً، وبدأت المباراة تأخذ اتجاهاً واحداً نحو مرمى الضيوف.
حاول مدرب الفيحاء بيدرو ايمانويل تدارك الموقف بسلسلة من التبديلات في الدقيقة 69، حيث دفع بالمدافع الخبير كريس سمولينغ والمهاجم سيلفير جانفولو بدلاً من زياد الصحفي وجاسون، لكن الطوفان الأزرق كان أقوى من أي سد دفاعي. في المقابل، أدار سيمون إنزاجي المباراة بذكاء، حيث أجرى تبديلات لإراحة نجومه، فدفع بـ ناصر الدوسري وكايو سيزار بدلاً من سافيتش وداروين نونيز في الدقيقة 79.
ماركوس ليوناردو يضع بصمة الختام
بينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة، وفي الدقيقة التسعين تماماً، عاد روبن نيفيس ليصنع هدفه الثاني في المباراة بتمريرة ساحرة وضعت ماركوس ليوناردو في مواجهة المرمى، ليضع الأخير الكرة في الشباك بهدوء الكبار، مختتماً رباعية الهلال التاريخية. المثير في تلك الدقائق أن نيفيس حصل على بطاقة صفراء في نفس الدقيقة قبل أن يغادر الملعب تاركاً مكانه للشاب مراد هوساوي في تبديل رمزي يعكس عمق تشكيلة الهلال.
شهدت المباراة أيضاً ظهوراً لافتاً للاعب خالد الرماح من جانب الفيحاء، الذي دخل بديلاً في الدقيقة 82 لكنه تلقى بطاقة صفراء في الدقيقة 88 نتيجة تدخل قوي لإيقاف زحف الهلاليين. الإحصائيات الختامية للمباراة عكست السيطرة المطلقة، حيث سدد الهلال 17 تسديدة منها 5 على المرمى، بينما اكتفى الفيحاء بـ 9 تسديدات فقط.
تحليل تكتيكي وخاتمة الملحمة
لقد أثبت سيمون إنزاجي أن فريقه يمتلك شخصية البطل؛ فالعودة من التأخر بهدف إلى فوز برباعية تتطلب نضجاً تكتيكياً عالياً. كان دور روبن نيفيس محورياً في ضبط إيقاع اللعب وتوزيع الهدايا لزملائه، بينما أظهر سيرجي سافيتش قيمة فنية كبيرة في الربط بين الخطوط. أما الفيحاء، فقد عانى من قلة التركيز في اللحظات الحاسمة، خاصة في الكرات العرضية التي شكلت خطورة دائمة على مرماهم، ولم تشفع لهم تضحيات ألفا سيميدو وأحمد بامسعود قبل خروجهما.
بهذا الانتصار الكاسح، يواصل الهلال تفرده في صدارة دوري روشن السعودي برصيد 44 نقطة، محققاً فوزه الخامس على التوالي في مسيرة خالية من الهزائم هذا الموسم. أما الفيحاء، فقد تجمد رصيده عند 14 نقطة في المركز الثالث عشر، ليبقى في دائرة الخطر. لقد كانت ليلة في "المملكة أرينا" أكدت للجميع أن قطار الهلال لا يتوقف، وأن كل من يحاول اعتراض طريقه قد يجد نفسه ضحية لعاصفة زرقاء لا تبقي ولا تذر.


