ليلة "تريزيجيه" في برج العرب: الأهلي يعزز صدارته الإفريقية بثنائية في شباك يانج أفريكانز
تحت أضواء استاد برج العرب الكاشفة، وفي ليلة شتوية مفعمة برائحة التحدي الإفريقي، رسم النادي الأهلي المصري لوحة جديدة من لوحات تفوقه القاري. لم تكن مجرد مباراة في دور المجموعات لدوري أبطال إفريقيا، بل كانت استعراضاً للقوة والخبرة أمام منافس عنيد جاء من تنزانيا بطموحات كبيرة. وبصافرة الحكم داودا جاي، انطلقت الملحمة التي انتهت بفوز أهلاوي مستحق بهدفين دون رد، ليؤكد "المارد الأحمر" سطوته على المجموعة ويضع قدماً راسخة في الأدوار الإقصائية.
أجواء مشحونة في عروس المتوسط
قبل ركلة البداية، كانت الأجواء في استاد برج العرب تشي بمواجهة من طراز رفيع. الجماهير التي زحفت خلف فريقها لم تتوقف عن الهتاف، بينما كان المدرب الدنماركي جيس توروب يضع اللمسات الأخيرة على خطته الهجومية لإدراك هدف مبكر يربك حسابات الضيوف. في المقابل، بدا البرتغالي بيدرو جونسالفيس، مدرب يانج أفريكانز، واثقاً في قدرة فريقه على الصمود، معتمداً على تنظيم دفاعي محكم وتقارب في الخطوط، مما جعل التوقعات تشير إلى مباراة تكتيكية معقدة يصعب التكهن بتفاصيلها.
بدأت المباراة بحذر متبادل، حيث حاول الأهلي فرض إيقاعه من خلال الاستحواذ على الكرة، وهو ما ترجمته الإحصائيات لاحقاً بوصول نسبة استحواذه إلى 58%. ومع ذلك، كان يانج أفريكانز نداً قوياً في الدقائق الأولى، حيث أغلق المساحات أمام مفاتيح لعب الأهلي، واعتمد على الكرات الطولية التي شكلت بعض الخطورة، مما جعل الشوط الأول يبدو وكأنه في طريقه للنهاية بالتعادل السلبي.
لحظة الانفجار: تريزيجيه يفك الشفرة
بينما كان الجميع يستعد لسماع صافرة نهاية الشوط الأول، وفي الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع (45+3)، ظهرت ملامح الشخصية الأهلاوية. انطلق الظهير الأيمن الخبير محمد هاني في رواقه المعتاد، وأرسل عرضية متقنة ارتقى لها القناص تريزيجيه ببراعة، مسكناً الكرة الشباك بلمسة فنية رائعة. هذا الهدف لم يغير النتيجة فحسب، بل غير الحالة النفسية للفريقين؛ فدخل الأهلي غرف الملابس بنشوة التقدم، بينما خرج لاعبو يانج أفريكانز والحسرة تملأ وجوههم بعد صمود دام طوال الشوط.
الشوط الثاني: تعزيز السيطرة وحسم الموقعة
مع انطلاق الشوط الثاني، حاول يانج أفريكانز العودة في النتيجة، لكن التوتر بدأ يظهر على أداء لاعبيه، وهو ما تجلى في حصول محمد دمارو كامارا على بطاقة صفراء في الدقيقة 52 نتيجة تدخل عنيف. هذا التوتر دفع المدرب جونسالفيس لإجراء تبديلات سريعة في الدقيقة 57، حيث سحب كامارا واسرايل مويندا، ليدفع بكل من مدثر يحيى وباكوم زوزوا في محاولة لتنشيط وسط الملعب واستعادة التوازن.
الأهلي من جانبه لم يتراجع، بل استمر في الضغط مستفيداً من دقة تمريراته التي بلغت 85.66% من إجمالي 551 تمريرة. وفي الدقيقة 66، قرر جيس توروب تجديد الدماء في خط الهجوم بسحب مروان عثمان والدفع باللاعب نيجك جراديشار. ولم تمر سوى تسع دقائق حتى آتت السيطرة ثمارها؛ ففي الدقيقة 75، ومن جملة تكتيكية بدأت من أقدام الموهوب إمام عاشور، وصلت الكرة إلى تريزيجيه الذي لم يتوانَ في إيداعها المرمى للمرة الثانية، محرزاً هدفه الشخصي الثاني ومؤكداً انتصار فريقه.
رقعة الشطرنج: صراع المدربين خلف الخطوط
شهدت الربع ساعة الأخيرة صراعاً تكتيكياً كبيراً بين توروب وجونسالفيس. مدرب يانج أفريكانز رمى بكل أوراقه، فأشرك برينس دوبي بدلاً من الان اوكيلو، ثم أتبعها بتبديلات مزدوجة في الدقيقة 82 بدخول محمد حسيني وياو اتوهولا بدلاً من إزاكا بوكا وديكسون جوب. لكن دفاع الأهلي، الذي شتت الكرة في 16 مناسبة، كان بالمرصاد لكل المحاولات التنزانية التي بلغت 5 تسديدات على المرمى من أصل 9 محاولات إجمالية.
في المقابل، أظهر توروب حنكة كبيرة في تأمين النتيجة، حيث أجرى تبديلات تكتيكية في الدقيقة 79 بدخول طاهر محمد طاهر ومحمد علي بن رمضان بدلاً من زيزو وإمام عاشور. وقبل نهاية الوقت الأصلي بدقيقة واحدة، وفي حركة تقديرية من المدرب، خرج بطل الليلة تريزيجيه وسط تحية حارة، ليحل محله حسين الشحات، كما دخل أحمد عيد بدلاً من محمد هاني، ليغلق الأهلي كل المنافذ المؤدية إلى مرمى الحارس الشناوي.
الخاتمة: الأهلي يغرد منفردًا في القمة
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية بعد 95 دقيقة من الإثارة، كانت الفرحة عارمة في مدرجات برج العرب. هذا الفوز رفع رصيد الأهلي إلى 7 نقاط من ثلاث مباريات، محققاً انتصارين وتعادلاً، ليعتلي صدارة المجموعة منفرداً بفارق ثلاث نقاط عن يانج أفريكانز الذي تجمد رصيده عند 4 نقاط في المركز الثاني. أثبتت المباراة أن الأهلي، رغم الضغوط، يمتلك النفس الطويل والقدرة على حسم المواجهات الكبرى بفضل نجاعة نجمه تريزيجيه وصلابة منظومته الجماعية. هي خطوة عملاقة نحو اللقب الحادي عشر، ورسالة شديدة اللهجة لكل المنافسين بأن "ملك إفريقيا" لا يزال جائعاً للمزيد من الذهب.

