ليلة قمة السويس: الزمالك يروض "نسور" المصري ويعتلي عرش الصدارة الإفريقية
تحت أضواء ستاد السويس الجديد الكاشفة، وفي ليلة شتوية دافئة بمشاعر الجماهير، احتضن المستطيل الأخضر فصلاً جديداً من فصول الإثارة المصرية في قلب القارة السمراء. لم تكن مجرد مباراة في دور المجموعات لكأس الكونفيدرالية الإفريقية، بل كانت صراعاً على الهيبة، وبحثاً عن زعامة المجموعة بين المصري البورسعيدي والزمالك. في لقاء حبس الأنفاس حتى صافرة النهاية، نجح "الفارس الأبيض" في العودة إلى القاهرة بنقاط المباراة الثلاث بعد فوز ثمين بنتيجة 2-1، ليؤكد سطوته ويخطف صدارة المجموعة من قلب بورسعيد.
بداية عاصفة وصراع مبكر على الأرض
منذ اللحظة الأولى التي أطلق فيها الحكم الجزائري لطفي بكواسه صافرة البداية، بدا واضحاً أن الحذر لا مكان له في حسابات المدربين؛ نبيل الكوكي الذي قاد المصري بطموح "الأرض والجمهور"، ومعتمد جمال الذي دخل اللقاء برغبة تأكيد التفوق التكتيكي. لم تمر سوى دقيقتين حتى ظهرت البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب الزمالك أحمد الخضري، لتعلن عن معركة بدنية طاحنة في وسط الملعب، حيث اشتعل الصراع على كل كرة وكأنها الأخيرة في البطولة.
الزمالك بدأ بضغط متوازن، محاولاً امتصاص حماس لاعبي المصري الذين اندفعوا مدفوعين بهتافات هزت أركان الملعب. ومع حلول الدقيقة 24، انفجرت الفرحة في المعسكر الأبيض؛ فبعد عرقلة داخل منطقة الجزاء، انبرى المدافع الشاب حسام عبدالمجيد لتنفيذ ركلة الجزاء بهدوء الكبار، واضعاً الكرة في الشباك ومعلناً تقدم الزمالك بالهدف الأول، ليرسم ملامح التفوق المبكر للضيوف.
رد الفعل البورسعيدي ودراما ركلات الجزاء
لم يستكن المصري البورسعيدي لهذا التأخر، بل انتفض كالجريح باحثاً عن العودة. ضغط "الأخضر" بكل ثقله، وتنوعت الهجمات بين الأطراف والعمق، حتى جاءت الدقيقة 34 لتمنحهم قبلة الحياة. ركلة جزاء أخرى احتسبها بكواسه، لكن هذه المرة لصالح المصري، تقدم لها القناص صلاح محسن الذي لم يخطئ المرمى، مرسلاً الكرة إلى الشباك ليشعل مدرجات السويس بهدف التعادل. استمر الشوط الأول سجالاً، وشهد قبل نهايته توتراً إضافياً أسفر عن بطاقة صفراء للاعب الزمالك ادم كايد في الدقيقة 43، لينتهي النصف الأول من الملحمة بتعادل عادل وضع الفريقين أمام تحدي الشوط الثاني.
تكتيك المدربين ومعركة التبديلات
مع انطلاق الشوط الثاني، أدرك معتمد جمال أن وسط ملعبه يحتاج لمزيد من الخبرة والصلابة، فأجرى تبديلين دفعة واحدة بدخول نبيل دونجا بدلاً من محمد السيد أحمد، وأحمد عبدالرحيم إيشو بدلاً من أحمد الخضري. هذه التغييرات منحت الزمالك توازناً دفاعياً وقدرة أكبر على بناء الهجمات من الخلف. في المقابل، حاول نبيل الكوكي تنشيط صفوفه، فدفع بـ احمد ايمن منصور في الدقيقة 70 بدلاً من باهر المحمدي لترميم الخط الخلفي.
المباراة دخلت مرحلة "كسر العظم"، حيث زادت التدخلات القوية، مما اضطر الحكم لإشهار البطاقة الصفراء في وجه محمد اسماعيل من الزمالك، ثم بونور موغيشا من المصري في الدقيقة 73. كانت الأجواء مشحونة، والكل يترقب اللحظة التي سيهتز فيها الشباك مرة أخرى، وهو ما حدث بالفعل في لحظة سحرية.
عدي الدباغ.. كلمة السر في ليلة الحسم
في الدقيقة 76، وبينما كان الجميع يتوقع أن المباراة تتجه نحو تعادل قد يرضي الطرفين، ظهر النجم الفلسطيني عدي الدباغ ليوقع على شهادة ميلاد الفوز الزملكاوي. بلمسة فنية رائعة وإنهاء متقن، استطاع الدباغ تسجيل الهدف الثاني للزمالك، هدفاً نزل كالصاعقة على لاعبي المصري وأربك حساباتهم. حاول الكوكي تدارك الموقف بإجراء تبديلات هجومية متتالية، فدفع بـ منذر تيمين وعمر الساعي بدلاً من عميد صوافطة وأسامة الزمراوي، لكن دفاع الزمالك بقيادة "الونش" ومن خلفهم الحارس محمد صبحى كانوا بالمرصاد.
الدقائق الأخيرة كانت قمة في الإثارة؛ المصري يضغط بكل خطوطه، والزمالك يستميت للدفاع عن تقدمه. نال محمد صبحى إنذاراً لإضاعة الوقت في الدقيقة 80، ولحقه أحمد عبدالرحيم إيشو ببطاقة أخرى في الدقيقة 84. ومع وصول المباراة للدقيقة 90، دفع الزمالك بـ أحمد حمدي لتأمين الوسط، بينما رمى المصري بآخر أوراقه كريم بامبو بدلاً من حسن على، لكن صافرة بكواسه كانت أسرع من طموحات البورسعيدية.
تحليل فني: كيف سقطت القلاع الخضراء؟
لقد كانت المباراة درساً في إدارة التفاصيل الصغيرة. الزمالك، رغم تلقيه 6 بطاقات صفراء (الخضري، كايد، إسماعيل، صبحي، إيشو، ودونجا في الدقيقة 90+5)، إلا أنه عرف كيف يحافظ على برودة أعصابه في اللحظات الحاسمة. إحصائيات المباراة تشير إلى تقارب كبير في الاستحواذ، لكن فاعلية الزمالك الهجومية كانت هي الفيصل. التبديلات التي أجراها معتمد جمال، خاصة دخول دونجا وإيشو، منحت الفريق نفساً طويلاً، بينما عانى المصري من غياب اللمسة الأخيرة في الأمتار الأخيرة من الملعب رغم حماس لاعبيه.
الخاتمة: الزمالك يغرد وحيداً في القمة
بهذا الانتصار الغالي، رفع الزمالك رصيده إلى 8 نقاط، ليقفز إلى المركز الأول في جدول ترتيب المجموعة، متجاوزاً المصري الذي تجمد رصيده عند 7 نقاط في المركز الثاني. هذه النتيجة لا تعني فقط النقاط الثلاث، بل تعني دفعة معنوية هائلة للفريق الأبيض في مشواره نحو استعادة اللقب الإفريقي. أما المصري، فقد خسر جولة لكنه لم يخسر المعركة، حيث لا تزال حظوظه قائمة وبقوة للتأهل، شريطة التعلم من أخطاء ليلة السويس التي ستبقى عالقة في أذهان الجماهير كواحدة من أجمل مباريات البطولة.

