جنون "جان برايدال": ملحمة الأهداف الستة ترسم تعادلاً مثيراً بين كلوب بروج وأتلتيكو مدريد
تحت أضواء الكاشفات في ليلة أوروبية ساحرة، احتضن ملعب جان برايدال فصلاً جديداً من فصول الإثارة في دوري أبطال أوروبا. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم في مرحلة "البلاي أوف"، بل كانت معركة تكتيكية ونفسية طغى عليها طابع الجنون، حيث انتهت بتعادل درامي بثلاثة أهداف لكل فريق، في مواجهة حبست أنفاس المتابعين حتى الصافرة الأخيرة للحكم السويدي غلين نيبيرغ.
صمت البدايات وهدير "الروخي بلانكوس"
دخل الفريقان أرض الملعب وسط أجواء صاخبة من الجماهير البلجيكية التي كانت تمني النفس بإسقاط عملاق مدريد. ومع ذلك، لم يمهل الضيوف أصحاب الأرض الكثير من الوقت لترتيب أوراقهم. فمنذ الدقائق الأولى، فرض رجال المدرب دييجو سيميوني أسلوبهم الصارم، وضغطوا بكل ثقلهم في مناطق كلوب بروج. وفي الدقيقة الثامنة، ارتكب دفاع البروج خطأً فادحاً داخل منطقة الجزاء، لم يتردد الحكم في احتسابه ركلة جزاء. انبرى لها النجم الأرجنتيني جوليان ألفاريز، الذي سددها ببرود أعصاب يحسد عليه، معلناً عن الهدف الأول لأتلتيكو مدريد ومسكتاً آلاف الحناجر في المدرجات.
حاول إيفان ليكو، مدرب كلوب بروج، تحفيز لاعبيه من على خط التماس، وطالبهم بالتقدم أكثر نحو الأمام، لكن التنظيم الدفاعي للأتلتيكو كان بمثابة سد منيع. وبينما كان الجميع يستعد لصافرة نهاية الشوط الأول، ومن هجمة مرتدة نموذجية قادها المخضرم أنطوان غريزمان، أرسل الأخير تمريرة حاسمة متقنة إلى أديمولا لوكمان، الذي لم يتوانَ عن إيداعها الشباك في الدقيقة الرابعة من الوقت بدل الضائع (45+4). هدفٌ بدا وكأنه رصاصة الرحمة التي ستنهي طموحات الفريق البلجيكي مبكراً.
انتفاضة "بروج" وزلزال الشوط الثاني
دخل كلوب بروج الشوط الثاني بروح مختلفة تماماً، وكأن كلمات ليكو في غرف الملابس قد أشعلت النار في صدور اللاعبين. في الدقيقة 51، ومن كرة عرضية أحدثت ارتباكاً في دفاع الفريق الإسباني، نجح رافائيل أونيديكا في تقليص الفارق بتسديدة قوية. حبست الجماهير أنفاسها لثوانٍ معدودة بانتظار قرار تقنية الفيديو VAR، التي أكدت صحة الهدف، لتنفجر المدرجات فرحاً وتعود الثقة لأصحاب الأرض.
لم يتوقف الإعصار البلجيكي عند هذا الحد، ففي الدقيقة 60، ومن عمل جماعي رائع وتمريرة حاسمة من مامادو دياخون، استطاع الشاب نيكولو تريسولدي أن يقتنص هدف التعادل وسط ذهول دييجو سيميوني الذي لم يصدق كيف تبخر تقدم فريقه المريح في غضون تسع دقائق فقط. المباراة اشتعلت، والالتحامات البدنية زادت حدة، مما دفع الحكم لإشهار البطاقة الصفراء في وجه مارك بوبيل من جانب الأتلتيكو.
دراما الدقائق الأخيرة وصراع البدلاء
شعر سيميوني بالخطر، فقام بسلسلة تبديلات لضخ دماء جديدة، حيث أخرج لوكمان وغريزمان وأشرك أليخاندرو باينا والكسندر سورلوث. وفي الدقيقة 79، وبينما كان بروج يضغط لتسجيل الثالث، وقعت الكارثة عندما سجل المدافع جويل أوردونيز هدفاً عكسياً في مرماه بطريقة غير محظوظة، ليعيد التقدم لأتلتيكو مدريد (3-2). بدا أن الحظ قد أدار ظهره لبروج، خاصة بعد خروج تريسولدي ودخول روميو فرمانت، وتلقي أونيديكا بطاقة صفراء زادت من توتر الأجواء.
لكن كرة القدم لا تعترف باليأس، وفي الدقيقة 89، وفي غمرة اندفاع لاعبي بروج نحو الهجوم، تقمص رافائيل أونيديكا دور صانع الألعاب وأهدى تمريرة ذهبية لزميله كريستوس تزوليس، الذي سدد كرة سكنت الزاوية البعيدة لمرمى الأتلتيكو، معيداً المباراة لنقطة الصفر ومفجراً بركاناً من الفرح في ملعب جان برايدال. الهدف جاء في وقت قاتل، جعل الدقائق الخمس من الوقت بدل الضائع عبارة عن حرب استنزاف، شهدت تبديلات تكتيكية متأخرة للأتلتيكو بدخول جوني كاردوسو وروبن نورماند لتأمين التعادل، وبطاقة صفراء أخيرة نالها باينا في الدقيقة 95.
تحليل تكتيكي: كيف تغير المجرى؟
كانت المباراة عبارة عن صراع بين مدرستين؛ مدرسة سيميوني التي تعتمد على الواقعية والضربات الخاطفة، ومدرسة ليكو التي راهنت على الاندفاع البدني والروح القتالية. التبديلات لعبت دوراً محورياً، فبينما حاول سيميوني الحفاظ على التوازن، كانت تبديلات ليكو الهجومية، خاصة إشراك شاندر كامبل وبيورن ماير في الدقائق الأخيرة، تهدف لمواصلة الضغط العالي. رافائيل أونيديكا كان رجل المباراة بلا منازع، ليس فقط لتسجيله هدفاً، بل لصناعته الهدف القاتل وقيادته لوسط ميدان بروج ببراعة رغم الضغوط.
الخاتمة: تعادل بطعم الانتصار لبروج وخيبة للأتلتيكو
عندما أطلق غلين نيبيرغ صافرته النهائية، ساد شعور متباين في الملعب. بالنسبة لـ كلوب بروج، فإن العودة من تأخر بهدفين أمام فريق متمرس مثل أتلتيكو مدريد هو انتصار معنوي كبير يثبت قدرتهم على مقارعة الكبار في دوري أبطال أوروبا. أما بالنسبة لـ أتلتيكو مدريد، فالنتيجة تعتبر مخيبة للآمال بالنظر لسيناريو المباراة، حيث أظهرت ثغرات دفاعية غير معتادة في منظومة سيميوني.
بهذه النتيجة، يرفع أتلتيكو رصيده إلى 13 نقطة في المركز الرابع عشر، بينما يصل بروج إلى النقطة العاشرة في المركز التاسع عشر. لقد كانت ليلة للتاريخ، أثبتت مرة أخرى أن كرة القدم لا تمنح أسرارها إلا لمن يقاتل حتى الرمق الأخير، وأن ملعب "جان برايدال" سيظل دائماً حصناً يصعب على الغزاة ترويضه بسهولة.


