صمت المدافع وهدير المدرجات: قمة "تيزي وزو" تنتهي بلا غالب ولا مغلوب
تحت أضواء ملعب آيت حسين أحمد الكاشفة، وفي قلب مدينة تيزي وزو النابض بعشق كرة القدم، حبست القارة السمراء أنفاسها لمتابعة فصل جديد من فصول الإثارة الكروية في دوري أبطال إفريقيا. لم تكن مجرد مباراة في دور المجموعات، بل كانت صراعاً للهوية والكبرياء بين شبيبة القبائل الجزائري وضيفه الثقيل الأهلي المصري. ورغم أن شباك المرميين استعصت على الاهتزاز طوال تسعين دقيقة، إلا أن المباراة كانت لوحة تكتيكية معقدة، غلب عليها الحذر تارة والاندفاع البدني تارة أخرى، لينتهي اللقاء بالتعادل السلبي الذي منح كل فريق نقطة في رصيده، وسط أجواء جماهيرية صاخبة لم تهدأ حتى صافرة النهاية.
أجواء ما قبل المعركة: هيبة البطل وطموح "الكناري"
قبل ساعات من انطلاق المباراة، كانت الطرق المؤدية إلى الملعب تكتسي باللونين الأخضر والأصفر، حيث توافدت جماهير "الكناري" بكثافة لمساندة فريقها في واحدة من أصعب اختبارات الموسم. على الجانب الآخر، دخل "المارد الأحمر" اللقاء وهو يتربع على عرش المجموعة برصيد 9 نقاط، متسلحاً بخبرته القارية الواسعة وتحت قيادة فنية للمدرب جيس توروب، الذي كان يدرك تماماً أن مواجهة الشبيبة على أرضها ليست نزهة. في المقابل، كان المدرب جوزيف زينباور يطمح لتصحيح المسار وتحقيق نتيجة إيجابية تنعش آمال الفريق الذي دخل اللقاء وهو في تذيل الترتيب بثلاث نقاط فقط. هواء تيزي وزو البارد زاد من سخونة التوقعات، والجميع كان ينتظر صافرة الحكم برايتون شيمين لتبدأ المعركة الكروية.
الشوط الأول: صراع بدني في وسط الميدان
بدأت المباراة بإيقاع سريع، حيث حاول لاعبو شبيبة القبائل فرض سيطرتهم مبكراً مستغلين عاملي الأرض والجمهور. كانت التدخلات البدنية قوية منذ الدقائق الأولى، مما عكس حجم التوتر والتركيز العالي لدى اللاعبين. وفي الدقيقة 25، اضطر الحكم لإشهار البطاقة الصفراء الأولى في وجه مدافع الشبيبة محمد أمين مدني بعد تدخل خشن لتعطيل هجمة أهلاوية واعدة. لم يتأخر رد فعل الضيوف كثيراً، حيث اعتمد الأهلي على تقارب الخطوط والضغط العالي، مما أجبر أحمد نبيل كوكا على ارتكاب خطأ تكتيكي كلفه بطاقة صفراء في الدقيقة 34. انحصر اللعب كثيراً في دائرة المنتصف، وغابت الفرص الخطيرة المحققة على المرميين، حيث نجح الدفاعان في إغلاق كل المنافذ، لينتهي الشوط الأول كما بدأ، سلبياً في النتيجة لكنه كان مليئاً بالندية والالتحامات.
الشوط الثاني: شطرنج المدربين والبحث عن الثغرة
مع انطلاق الشوط الثاني، أجرى المدرب جيس توروب تغييراً هجومياً بدخول طاهر محمد طاهر بدلاً من تريزيجيه في الدقيقة 46، في محاولة لضخ دماء جديدة في الرواق الهجومي للأهلي. بدأت المساحات تظهر قليلاً، وحاول الشبيبة استغلال الأطراف عبر تحركات رياض بودبوز، لكن الدفاع الأهلاوي بقيادة ياسر إبراهيم كان بالمرصاد. في الدقيقة 59، اضطر زينباور لإجراء تبديله الأول بخروج المصاب أو المجهد محمد أمين مدني ودخول ليد شاهين بيلاول لتأمين الخط الخلفي. الأهلي من جانبه واصل محاولاته لتنشيط الهجوم، فدفع بـ كريم فؤاد وأحمد بيكهام بدلاً من أشرف بن شرقي وأحمد نبيل كوكا في الدقيقة 66، مما أعطى الفريق المصري أفضلية نسبية في الاستحواذ، لكن دون فاعلية حقيقية أمام المرمى الجزائري.
الدقائق الأخيرة: صمود الدفاع وتوتر الأعصاب
بلغت الإثارة ذروتها في الربع ساعة الأخير، حيث رمى كل مدرب بأوراقه الرابحة. في الدقيقة 77، شارك يلسين كامويش بدلاً من محمد علي بن رمضان في صفوف الأهلي، بينما رد زينباور بتبديل مزدوج في الدقيقة 78 بدخول باباكار سار وفارس نشأت بدلاً من القائد رياض بودبوز وشعيب بولقابول. هذا التغيير كان يهدف لتأمين نقطة التعادل على الأقل أمام الضغط الأهلاوي المتزايد. وفي الدقيقة 83، تلقى ياسر إبراهيم بطاقة صفراء نتيجة اعتراضه القوي، مما عكس حالة التوتر التي سادت الدقائق الأخيرة. حاول الأهلي خطف هدف قاتل بدخول حسين الشحات في الدقيقة 87 بدلاً من مروان عثمان، بينما استهلك الشبيبة الدقائق الأخيرة بذكاء، وأجرى تبديلاً تكتيكياً في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع بدخول كلستين اكوا بدلاً من لحلو اخريب.
التحليل التكتيكي: عندما يتفوق الدفاع على الهجوم
كانت المباراة تجسيداً لواقعية المدربين؛ فـ جيس توروب لم يرغب في المغامرة بفتح خطوطه بعيداً عن دياره، مفضلاً الحفاظ على نظافة شباكه والخروج بنقطة تبقيه في الصدارة. أما جوزيف زينباور، فقد نجح في تنظيم فريقه دفاعياً بشكل مثير للإعجاب، حيث حد من خطورة مفاتيح لعب الأهلي. الإحصائيات تشير إلى تقارب كبير في نسبة الاستحواذ، مع أفضلية طفيفة للأهلي في التمريرات العرضية، لكن الصلابة الدفاعية لشبيبة القبائل كانت هي الكلمة العليا. التبديلات الكثيرة في الشوط الثاني أثرت نوعاً ما على ريتم المباراة، لكنها كانت ضرورية للحفاظ على التوازن البدني في ظل المجهود الوافر الذي بذله اللاعبون على أرضية الميدان.
الخاتمة: نقطة ثمينة وصدارة مستمرة
أطلق الحكم برايتون شيمين صافرة النهاية، ليعلن عن تعادل عادل أرضى الطرفين إلى حد ما. بهذه النتيجة، رفع الأهلي المصري رصيده إلى 10 نقاط، ليواصل تربعه على قمة المجموعة، مقترباً بخطى ثابتة نحو التأهل إلى الدور القادم. في المقابل، رفع شبيبة القبائل رصيده إلى 4 نقاط، ورغم بقائه في وضع صعب بجدول الترتيب، إلا أن الأداء القوي أمام بطل القارة يمنح جماهيره الأمل في قدرة الفريق على العودة في الجولات القادمة. غادرت الجماهير مدرجات ملعب آيت حسين أحمد وهي تصفق للاعبيها على الروح القتالية، في ليلة أكدت أن التنافس العربي-العربي في الأدغال الإفريقية يظل دائماً وفياً لوعوده من حيث الإثارة والندية، حتى وإن غابت الأهداف.

