ملحمة كروية في ربع نهائي كأس فرنسا: لانس يطوي صفحة ليون بركلات الترجيح بعد دراما الدقائق الأخيرة
في ليلة باريسية بامتياز، وتحت أضواء كاشفة لم تكن تنبئ إلا بصراع العمالقة، شهد ربع نهائي كأس فرنسا واحدة من أكثر المباريات إثارة في تاريخ المسابقة القريب. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم بين ليون وراسينج كلوب دي لانس، بل كانت قصيدة ملحمية كتبت فصولها على عشب الملعب، وانتهت بفوز لانس بركلات الترجيح (5-4) بعد تعادل درامي في الوقت الأصلي بنتيجة (2-2)، لتعلن عن تأهل الضيوف إلى المربع الذهبي في ليلة حبست أنفاس الملايين.
بداية عاصفة وتكتيكات حذرة
دخل الفريقان أرض الملعب بقيادة الحكم بنوا باستيان، الذي كان عليه ضبط إيقاع مباراة مشحونة بالعواطف والآمال. المدرب باولو فونسيكا، المدير الفني لليون، اعتمد على الضغط العالي منذ البداية، بينما دخل بيير ساج مدرب لانس بخطة متوازنة تهدف لامتصاص حماس أصحاب الأرض. ولم تكد تمر ست دقائق فقط حتى اضطر ساج لإجراء تبديل مبكر بدخول ريان فوفانا بدلاً من عبدالله سيما، في خطوة بدت وكأنها اضطرارية لتأمين وسط الملعب، وسط ترقب من الجماهير التي ملأت المدرجات وصنعت لوحة جماهيرية مهيبة.
كانت الأجواء مشحونة، والتحركات على رقعة الشطرنج الخضراء توحي بأن الهدف الأول ليس إلا مسألة وقت. لانس بدأ يفرض أسلوبه، معتمداً على سرعة التحولات الهجومية، بينما حاول ليون استعادة توازنه عبر السيطرة على الكرة في مناطق العمليات، لكن الدفاع المنظم للضيوف كان يقف بالمرصاد لكل المحاولات.
لانس يضرب بقوة في الشوط الأول
في الدقيقة الثالثة والعشرين، انفجر بركان الفرح في مدرجات مشجعي لانس؛ حين تسلم النجم فلوران توفين كرة متقنة، وبلمسة فنية تعكس خبرته الطويلة، أودعها الشباك معلناً الهدف الأول للضيوف. هذا الهدف لم يربك حسابات ليون فحسب، بل منح لانس الثقة المطلقة للسيطرة على مجريات اللعب. استمر الضغط من جانب لانس، وسط محاولات خجولة من ليون للعودة في النتيجة قبل نهاية الشوط الأول.
وبينما كان الجميع يستعد لسماع صافرة نهاية الشوط الأول، وتحديداً في الدقيقة الخامسة والأربعين، عاد فلوران توفين ليتقمص دور صانع الألعاب هذه المرة، حيث مرر كرة حاسمة إلى عبدالله سيما الذي وضعها في المرمى ببراعة، معززاً تقدم فريقه بالهدف الثاني. وقبل أن يطلق الحكم صافرته، اشتعلت الأجواء بتوتر ملحوظ أسفر عن بطاقتين صفراوين لكل من نيكولاس تاجليافيكو من ليون واودسون ادوارد من لانس في الدقيقة الثالثة من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع، لينتهي الشوط الأول بتقدم مريح للضيوف بهدفين نظيفين.
ريمونتادا ليون المجنونة
مع انطلاق الشوط الثاني، كان على فونسيكا التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وفي الدقيقة التاسعة والخمسين، أجرى تبديلاً بدخول ريمي هيمبرت بدلاً من تاجليافيكو، وهو التبديل الذي غيّر وجه المباراة تماماً. هيمبرت لم ينتظر طويلاً ليترك بصمته، ففي الدقيقة السابعة والستين، ومن تمريرة سحرية منه، استطاع رومان ياريمشوك تقليص الفارق بتسجيل الهدف الأول لليون، لتعود الروح من جديد إلى مدرجات أصحاب الأرض.
استمر الضغط الجنوني من ليون، وسط استبسال دفاعي من لانس الذي حاول الحفاظ على تقدمه بكل الوسائل. الحكم باستيان لم يتوانَ عن إشهار البطاقات الصفراء للسيطرة على الخشونة المتعمدة، فنال ماثيو اودول إنذاراً في الدقيقة الرابعة والخمسين، وتبعه ندال سيليك في الدقيقة الثامنة والسبعين. وفي خضم هذا الصراع، أجرى المدربان سلسلة من التبديلات، حيث دخل هانس هاتيبوير في ليون، وأمادو حيدرا في لانس، في محاولة لتجديد الدماء في الدقائق الحرجة الأخيرة.
دراما الدقيقة الأخيرة وركلات الحظ
دخلت المباراة دقائقها الأخيرة، وبدا أن لانس في طريقه لحسم التأهل، لكن كرة القدم رفضت أن تنتهي القصة بهذه البساطة. في الدقيقة الرابعة من الوقت المحتسب بدلاً من الضائع (90+4)، ومن جملة تكتيكية رائعة بدأها المخضرم كورينتين توليسو، وصلت الكرة إلى المنقذ ريمي هيمبرت الذي لم يتردد في إيداعها الشباك، مفجراً فرحة هستيرية في الملعب بعد إدراك التعادل القاتل.
هذا التعادل فرض اللجوء إلى ركلات الترجيح لحسم هوية المتأهل. وقف الحارسان وجهاً لوجه أمام اختبار الأعصاب. ساد الصمت المطبق في الملعب مع كل ركلة، وتصاعدت دقات القلوب. وبعد سلسلة من الركلات المتقنة والضائعة، ابتسم الحظ في النهاية لفريق راسينج كلوب دي لانس الذي حسم الركلات لصالحه بنتيجة 5-4، ليعلن عن نفسه طرفاً في نصف النهائي، وسط حسرة كبيرة للاعبي ليون الذين قدموا عودة تاريخية لم تكتمل فصولها بالنجاح.
خاتمة: ليلة لن تنسى في تاريخ الكأس
بهذه النتيجة، يثبت لانس أنه رقم صعب في خريطة الكرة الفرنسية، حيث أظهر رباطة جأش كبيرة رغم العودة القوية لليون. المباراة كانت درساً في الإرادة والتكتيك، حيث لعبت التبديلات دوراً محورياً، خاصة دخول هيمبرت الذي كان رجل المباراة الأول لليون رغم الخسارة. أما لانس، فقد استحق التأهل بفضل انضباطه في الشوط الأول وهدوئه في تنفيذ ركلات الترجيح. غادر ليون البطولة برأس مرفوعة، بينما واصل لانس حلمه نحو معانقة الكأس الغالية، في ليلة ستبقى محفورة في ذاكرة عشاق الساحرة المستديرة كواحدة من أجمل مباريات ربع النهائي.


