تعادل بطعم الإثارة.. موقعة الرباط تترك الحسم معلقاً بين الجيش الملكي وبيراميدز
تحت أضواء الملعب الأولمبي بالرباط المتلألئة، وفي ليلة أفريقية حبست أنفاس الجماهير المغربية والمصرية على حد سواء، سطر فريقا الجيش الملكي وبيراميدز فصلاً جديداً من فصول الإثارة في ذهاب ربع نهائي دوري أبطال إفريقيا. كانت المباراة أكثر من مجرد تنافس على كرة، بل كانت صراعاً تكتيكياً رفيع المستوى بين طموح "العساكر" في العودة لمنصات التتويج القارية، وخبرة بيراميدز المتصاعدة في الأدغال الأفريقية، لتنتهي الموقعة بتعادل إيجابي بهدف لمثله، ترك أبواب التأهل مشرعة على مصراعيها لمباراة الإياب.
زئير العساكر المبكر يشعل المدرجات
لم يكد الحكم الدولي كومار كارتان يطلق صافرة البداية، حتى كشر أصحاب الأرض عن أنيابهم، مدفوعين بآلاف الحناجر التي لم تتوقف عن الهتاف. لم تمضِ سوى ثماني دقائق فقط حتى انفجر الملعب فرحاً؛ حينما أرسل زين الدين دراج تمريرة حاسمة اخترقت حصون الدفاع المصري، لتجد القناص أحمد حمودان الذي لم يتوانَ عن إيداعها الشباك، معلناً عن تقدم مبكر للجيش الملكي. هذا الهدف المبكر منح رجال المدرب البرتغالي أليكساندر سانتوس ثقة هائلة، حيث سيطروا على مجريات اللعب بنسبة استحواذ وصلت إلى 51%، معتمدين على تقارب الخطوط والضغط العالي الذي أربك حسابات الضيوف في الشوط الأول.
ورغم التأخر، حاول بيراميدز امتصاص حماس لاعبي الجيش الملكي، وبدأ المدرب الكرواتي كرونوسلاف يورسيتش في توجيه لاعبيه لتهدئة الرتم والاعتماد على الكرات الطولية، إلا أن صلابة الدفاع المغربي بقيادة يونس عبد الحميد كانت بالمرصاد لكل المحاولات، لينتهي الشوط الأول بتقدم مستحق للعساكر وسط أجواء احتفالية في المدرجات.
عودة الضيوف وصدمة "زلاكا"
مع انطلاق الشوط الثاني، تغيرت الملامح الفنية للمباراة بشكل ملحوظ. دخل بيراميدز برغبة واضحة في تعديل الكفة، ولم يتأخر الرد كثيراً. ففي الدقيقة 52، ومن هجمة منظمة عكست جودة لاعبي الفريق المصري، نجح محمود زلاكا في هز شباك الجيش الملكي، مسجلاً هدف التعادل الذي نزل كالصاعقة على الجماهير المحلية. هذا الهدف أعاد المباراة إلى نقطة الصفر، وأشعل فتيل المنافسة من جديد، حيث تحرر لاعبو بيراميدز وبدأوا في تهديد المرمى المغربي بشكل مكثف، مسجلين 9 تسديدات إجمالية طوال اللقاء، منها 3 تسديدات مباشرة على المرمى.
التوتر بدأ يفرض نفسه على أرضية الميدان، مما استدعى تدخل الحكم لإشهار البطاقات الملونة للسيطرة على الاندفاع البدني. تلقى يونس عبد الحميد بطاقة صفراء في الدقيقة 59، قبل أن يقرر المدرب سانتوس استبداله في الدقيقة 61 لإقحام حمزة خابا في محاولة لتعزيز الهجوم. من جانبه، نال أحمد عاطف قطة بطاقة صفراء لبيراميدز في الدقيقة 65، تبعها إنذار آخر للمغربي محمد الشيبي في الدقيقة 80 بعد تدخل قوي، وسط صافرات استهجان من الجماهير التي كانت تترقب كل لمسة من لاعبها السابق.
صراع المدربين والأنفاس الأخيرة
دخلت المباراة مرحلة "تكسير العظام" في الدقائق العشر الأخيرة، حيث لجأ المدربان إلى دكة البدلاء بحثاً عن حلول سحرية. أجرى يورسيتش تبديلات هجومية جريئة بدخول يوسف أوباما ومروان حمدي بدلاً من ناصر ماهر وفيستون مايلي في الدقيقة 83. وفي المقابل، دفع سانتوس بورقته الرابحة رضا سليم بدلاً من صاحب الهدف حمودان، ثم أشرك ريكاردو كوتينيو في الدقائق الأخيرة بدلاً من خالد أيت أورخاني.
الدقائق المحتسبة بدلاً من الضائع كانت قمة في الإثارة والندية. بيراميدز حاول تأمين النتيجة عبر سلسلة من التبديلات التكتيكية، حيث دخل أسامة جلال ومصطفي زيكو وحتى الحارس البديل عوده الفاخوري في لحظات درامية لتسيير ما تبقى من وقت. وفي الدقيقة الخامسة من الوقت الإضافي، نال الحارس المخضرم أحمد الشناوي بطاقة صفراء نتيجة إضاعة الوقت، وهو ما يعكس الضغط الهائل الذي مارسه الجيش الملكي في اللحظات الأخيرة لخطف الفوز، لكن صافرة الحكم كانت أسرع، لتعلن نهاية الموقعة بالتعادل.
تحليل الأرقام ودلالات النتيجة
بالنظر إلى إحصائيات المباراة، نجد تقارباً كبيراً يعكس حجم الندية؛ فالجيش الملكي تفوق طفيفاً في الاستحواذ بنسبة 51% مقابل 49% لبيراميدز، كما كانت دقة تمريرات الفريقين متقاربة جداً (75% للعساكر و77% لبيراميدز). إلا أن الفريق المصري كان أكثر فاعلية في الوصول للمرمى بـ 9 محاولات، بينما اكتفى الجيش بـ 5 محاولات فقط. كما تميز اللقاء بالقوة البدنية، حيث ارتكب كل فريق 13 خطأ، مما يوضح مدى الصراع على كل كرة في وسط الميدان.
خاتمة: الحسم يتأجل لموقعة الدفاع الجوي
بهذه النتيجة، يكون بيراميدز قد حقق نتيجة إيجابية خارج قواعده بتسجيل هدف ثمين، مما يمنحه أفضلية نسبية قبل لقاء الإياب. أما الجيش الملكي، فرغم مرارة التعادل على أرضه، إلا أنه أثبت قدرته على مجاراة كبار القارة، وسيرحل إلى القاهرة بروح قتالية عالية، مدركاً أن تسجيل هدف هناك قد يقلب الطاولة لصالحه. لقد كانت ليلة كروية ممتعة في الرباط، أكدت أن دوري أبطال إفريقيا لا يعترف إلا بالعطاء فوق الميدان، وأن الحسم الحقيقي سيكون في الفصل الثاني من هذه الملحمة الكروية.
