ليلة مغربية في القاهرة: الجيش الملكي يروّض طموح بيراميدز في قلب الدفاع الجوي
تحت أضواء استاد الدفاع الجوي الكاشفة، وفي ليلة قاهرية لم تكن كغيرها من ليالي دوري أبطال إفريقيا، كانت ملامح الإثارة ترتسم على الوجوه حتى قبل صافرة البداية. نحن في ربع نهائي البطولة الأغلى، حيث لا مجال للخطأ، وحيث تُكتب أسماء العظماء بمداد من عرق وتحدٍ. دخل بيراميدز اللقاء متسلحاً بصدارته لمجموعته وتاريخه الحديث الطموح، بينما جاء "العساكر" من الرباط، يحملون إرث الجيش الملكي المغربي وعزيمة لا تلين، لينتهي المشهد بفوز مغربي ثمين بهدفين مقابل هدف واحد، في مباراة ستبقى محفورة في ذاكرة هذا الدور الإقصائي.
نذر العاصفة وصدمة البدايات
لم يكد الحكم الموريتاني دحان بايدا يطلق صافرته المعلنة عن بدء المعركة، حتى اشتعلت الأجواء مبكراً. لم تمضِ سوى خمس دقائق حتى أشهر الحكم البطاقة الصفراء في وجه يوسف أوباما، صانع ألعاب بيراميدز، كتحذير شديد اللهجة بأن الالتحامات لن تمر مرور الكرام. هذا التوتر المبكر كان بمثابة الوقود الذي أشعل فتيل الهجمات المغربية.
وفي الدقيقة التاسعة، وبينما كان أصحاب الأرض يحاولون ترتيب أوراقهم، انطلق يوسف الفحلي كالسهم من الرواق، مرسلاً تمريرة عرضية متقنة ضربت عمق الدفاع المصري، ليجدها القناص رضا سليم بانتظاره، وبلمسة باردة وهادئة، أسكن الكرة الشباك معلناً عن الهدف الأول للجيش الملكي. ساد صمت رهيب في أرجاء الملعب، إلا من صيحات الفرح المغربية التي دوت في سماء القاهرة، واضعاً المدرب الكرواتي كرونوسلاف يورسيتش في مأزق تكتيكي مبكر لم يكن يتوقعه.
الإعصار المغربي يضرب من جديد
حاول بيراميدز العودة، وسيطر على الكرة في مناطق المناورات، لكن دفاع الجيش الملكي كان أشبه بسور الصين العظيم، منظماً وصلباً خلفه الحارس الخبير أحمد رضا التاجناوتي. ومع انطلاقة الشوط الثاني، وفي الوقت الذي انتظر فيه الجميع انتفاضة "السماوي"، جاءت الرياح بما لا تشتهي سفن يورسيتش.
في الدقيقة 54، ومن جملة تكتيكية رائعة قادها المتألق رضا سليم، الذي تحول من هداف إلى صانع ألعاب، أرسل كرة عرضية بالمقاس على رأس القائد محمد ربيع حريمات. لم يتوانَ حريمات في توجيهها بقوة إلى المرمى، معززاً تقدم الضيوف بالهدف الثاني. كانت تلك اللحظة هي ذروة التألق المغربي، حيث بدا الفريق الضيف وكأنه يعزف سيمفونية كروية على أرض الخصم، وسط ذهول لاعبي بيراميدز الذين شعروا بأن المباراة بدأت تفلت من بين أيديهم.
انتفاضة منقوصة وصراع البطاقات
لم يقف يورسيتش مكتوف الأيدي، فأجرى تبديلين دفعة واحدة في الدقيقة 57 بدخول مصطفى فتحي وعوده الفاخوري بدلاً من محمود زلاكا وأحمد عاطف قطة، في محاولة لضخ دماء جديدة في الشرايين الهجومية. وبالفعل، آتت التبديلات أكلها سريعاً؛ ففي الدقيقة 62، ومن عرضية متقنة من المغربي الآخر في صفوف بيراميدز، محمد الشيبي، ارتقى المهاجم الكونغولي فيستون مايلي فوق الجميع، ليودع الكرة الشباك مقلصاً الفارق إلى 2-1.
اشتعلت المباراة في ربع الساعة الأخير من الشوط الثاني، وتحولت من مباراة كرة قدم إلى معركة بدنية طاحنة. الحكم دحان بايدا وجد نفسه مضطراً لاستخدام "سلاح" البطاقات الصفراء لتهدئة الرؤوس الحامية؛ فنالها التاجناوتي لإضاعة الوقت، ثم زين الدين دراج ومروان لوادني من جانب الجيش، بينما تلقى أحمد سامي وفيستون مايلي ومحمود مرعي إنذارات من جانب بيراميدز. كانت الأجواء مشحونة، والكل يقاتل على كل شبر من العشب الأخضر.
تكتيك "سانتوس" وصلابة الأمتار الأخيرة
أدرك المدرب البرتغالي أليكساندر سانتوس أن التقدم بهدف واحد في القاهرة هو كنز يجب الحفاظ عليه. بدأ في سحب أوراقه الهجومية، فأخرج نجم المباراة رضا سليم في الدقيقة 76 ليدفع بالمدافع المخضرم يونس عبد الحميد، معتمداً على إغلاق كافة المنافذ. وفي المقابل، رمى بيراميدز بكل ثقله بدخول مصطفى زيكو وكريم حافظ، لكن التكتل الدفاعي المغربي كان بالمرصاد لكل المحاولات.
الدقائق العشر الأخيرة كانت حبلى بالإثارة؛ فبينما كان بيراميدز يضغط بكل خطوطه، اعتمد الجيش الملكي على المرتدات السريعة التي كادت أن تنهي اللقاء تماماً. وفي الدقيقة 86، أجرى سانتوس تبديلات دفاعية إضافية بدخول حمزة خابا وجمال الشماخ، ليؤمن المناطق الخلفية تماماً أمام سيل الهجمات المصرية التي افتقدت للمسة الأخيرة الحاسمة.
خاتمة: العساكر يضعون قدماً في المربع الذهبي
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية بعد سبع دقائق من الوقت بدل الضائع، سقط لاعبو بيراميدز على الأرض من شدة الإرهاق والحسرة، بينما تعانق لاعبو الجيش الملكي في مشهد احتفالي مهيب. لم تكن مجرد مباراة، بل كانت درساً في الواقعية الكروية وكيفية إدارة المباريات الكبيرة خارج الديار.
بهذه النتيجة، حقق الجيش الملكي فوزاً استراتيجياً خارج قواعده، كسر به سلسلة النتائج الإيجابية لبيراميدز الذي دخل المباراة بسجل خالٍ من الهزائم في مبارياته الخمس الأخيرة. أما "العساكر"، فقد أثبتوا أن المركز الثاني في مجموعتهم لم يكن إلا استراحة محارب، وأنهم قادمون بقوة للمنافسة على اللقب القاري. بيراميدز الآن بات مطالباً بملحمة في لقاء الإياب بالمغرب، بينما يمتلك الجيش الملكي أفضلية الأرض والجمهور والنتيجة، ليقترب خطوة عملاقة نحو نصف نهائي دوري أبطال إفريقيا.
