ليلة سقوط "الموج الأزرق": إنبي يروض سموحة بذكاء تكتيكي في برج العرب
في أمسية كروية احتضنتها جنبات استاد برج العرب بالإسكندرية، شهد عشاق الساحرة المستديرة فصلاً جديداً من فصول الإثارة في دوري نايل المصري. لم تكن مجرد مباراة عادية، بل كانت صراعاً تكتيكياً بين طموح سموحة الساعي لتثبيت أقدامه، وبين دهاء إنبي الذي جاء باحثاً عن النقاط الثلاث في عقر دار منافسه. وفي صراع "مجموعة البطولة"، كانت الغلبة في النهاية للهدوء والتركيز، لينتهي اللقاء بفوز ثمين للفريق البترولي بهدفين دون رد، في مباراة كانت "النيران الصديقة" والبطاقات الملونة أبطالها غير المتوجين.
هدوء ما قبل العاصفة وصراع تكتيكي محتدم
دخل الفريقان أرض الملعب تحت إدارة تحكيمية للحكم محمد التابعي الغازي، وسط أجواء مشحونة بالترقب. كان المدير الفني لسموحة، أحمد عبدالعزيز، يمني النفس باستغلال عامل الأرض والجمهور، بينما رسم حمزة الجمل، مدرب إنبي، ملامح خطته بدقة متناهية، معتمداً على إغلاق المساحات والتحولات السريعة. بدأت المباراة بحذر متبادل، حيث انحصر اللعب في وسط الميدان، مع محاولات خجولة من الجانبين لفرض السيطرة، لكن التوتر كان يلوح في الأفق مع كل التحام بدني.
لم يتأخر الحكم في إشهار البطاقات الصفراء لضبط إيقاع اللقاء، ففي الدقيقة 13 نال مهاب سامي من إنبي إنذاراً مبكراً، تبعه ميدو مصطفى من سموحة في الدقيقة 23. هذا الحذر الدفاعي والاندفاع البدني جعل الشوط الأول يمر دون أهداف، رغم استحواذ سموحة النسبي الذي وصل إلى 53%، إلا أن الفاعلية الهجومية كانت غائبة أمام دفاع إنبي المنظم. وقبل أن يطلق الحكم صافرة نهاية الشوط الأول، اشتعلت الأجواء بإنذارين متتاليين للاعبي سموحة، البابا بادجي وسمير فكري، في إشارة واضحة إلى فقدان التركيز تحت ضغط الضيوف.
النيران الصديقة والمنعطف الحاسم
مع انطلاق الشوط الثاني، دخل سموحة برغبة أكبر في التسجيل، لكن كرة القدم لا تعترف إلا بالنتائج. وفي الدقيقة 63، وقعت الكارثة على "الموج الأزرق"؛ ففي محاولة دفاعية خاطئة، أسكن المدافع ميدو مصطفى الكرة في مرماه بطريق الخطأ، ليمنح إنبي هدف التقدم وسط ذهول زملائه والجهاز الفني. لم تكن هذه الصدمة الوحيدة لسموحة، فبعد ثلاث دقائق فقط، تلقى المهاجم البابا بادجي البطاقة الصفراء الثانية ثم الحمراء، ليغادر الملعب مطروداً ويترك فريقه يواجه الإعصار البترولي بعشرة لاعبين فقط.
هذا الطرد أجبر أحمد عبدالعزيز على إجراء تبديلات اضطرارية في الدقيقة 69، حيث دفع بـ ستيفن أمانكونا وحسام أشرف بدلاً من أتيدجيكو سامادو وصامويل أمادي، محاولاً لملمة أوراق فريقه المبعثرة. في المقابل، استغل حمزة الجمل النقص العددي بذكاء، وأجرى تبديلات هجومية ودفاعية متوازنة في الدقيقة 70، بإشراك أحمد العجوز، مروان داوود، وحامد عبدالله، لتنشيط الخطوط واستغلال المساحات الشاسعة في دفاعات سموحة المندفعة للتعادل.
رصاصة الرحمة ودراما اللحظات الأخيرة
بينما كان سموحة يحاول العودة رغم النقص العددي، جاء دور البدلاء ليحسموا الموقف تماماً. في الدقيقة 80، دفع مدرب إنبي باللاعب كهربا، ولم يحتج الأخير سوى دقيقة واحدة ليضع بصمته الذهبية. ففي الدقيقة 81، ومن تمريرة حاسمة من زميله حامد عبدالله، نجح كهربا في هز الشباك السكندرية للمرة الثانية، مطلقاً رصاصة الرحمة على آمال سموحة. ورغم حصوله على إنذار بسبب احتفاله، إلا أن الهدف كان كافياً لضمان النقاط الثلاث للفريق الضيف.
الدقائق الأخيرة شهدت محاولات يائسة من سموحة، وكاد ستيفن أمانكونا أن يقلص الفارق في الدقيقة الثالثة من الوقت بدل الضائع، إلا أن تقنية الفيديو (VAR) تدخلت لإلغاء الهدف، لتزداد أوجاع أصحاب الأرض. استمرت المباراة في توترها حتى اللحظات الأخيرة، حيث نال هشام حافظ إنذاراً خامساً لفريقه في الدقيقة 95، قبل أن يطلق الحكم صافرته معلناً نهاية الملحمة بفوز مستحق لإنبي.
قراءة فنية وإحصائية للمباراة
رغم أن سموحة كان الأكثر استحواذاً على الكرة طوال المباراة بنسبة وصلت إلى 53% مقابل 47% لإنبي، إلا أن النجاعة الهجومية كانت في صف الضيوف. سدد لاعبو سموحة 12 كرة، منها 4 فقط بين القائمين والعارضة، بينما كان إنبي أكثر دقة بتصويبه 5 كرات على المرمى من أصل 8 تسديدات إجمالية. التمريرات أيضاً مالت كفتها لسموحة بـ 365 تمريرة مقابل 321 لإنبي، لكن التنظيم الدفاعي للفريق البترولي جعل هذه التمريرات مجرد أرقام دون خطورة حقيقية.
كانت التبديلات هي كلمة السر في هذه المواجهة؛ فبينما حاول سموحة التعويض بتبديلات هجومية، نجح حمزة الجمل في قراءة المباراة وإشراك كهربا في الوقت المثالي ليحسم اللقاء. كما أن الانضباط السلوكي كان فارقاً، حيث حصل سموحة على 5 بطاقات صفراء وبطاقة حمراء، مما أثر بشكل مباشر على المردود البدني والذهني للاعبين في الدقائق الحاسمة.
ما بعد صافرة النهاية
بهذا الانتصار، قفز إنبي إلى المركز الثاني في جدول الترتيب برصيد 3 نقاط من مباراة واحدة في هذه المرحلة، مؤكداً أنه رقم صعب في معادلة المنافسة هذا الموسم. في المقابل، تجمد رصيد سموحة بلا نقاط في المركز السادس، ليدخل الفريق في مرحلة مراجعة حسابات سريعة قبل فوات الأوان. لقد كانت مباراة برج العرب درساً في كيفية استغلال الفرص والتعامل مع ظروف اللقاء، حيث أثبت إنبي أن الهدوء والتنظيم هما أقصر الطرق للوصول إلى المرمى وتحقيق الانتصارات الكبرى.


