بذكاء "الدباغ" وهدوء الكبار.. الزمالك يروض أمواج سموحة في ليلة سكندرية مثيرة
في أمسية كروية حبست الأنفاس على بساط استاد برج العرب بالإسكندرية، وضمن منافسات "مجموعة البطولة" في دوري نايل المصري، نجح نادي الزمالك في انتزاع فوز ثمين وصعب على مضيفه سموحة بهدف نظيف. لم تكن مجرد ثلاث نقاط عادية، بل كانت صراعاً تكتيكياً رفيع المستوى، تجلى فيه ذكاء المدربين وإصرار اللاعبين، لتنتهي الموقعة بابتسامة بيضاء أضاءت ليل عروس البحر المتوسط، معززةً موقع الفارس الأبيض في وصافة جدول الترتيب.
أجواء الصدام.. طموح سموحة في مواجهة كبرياء الفارس الأبيض
قبل إطلاق صافرة البداية من قبل الحكم محمد التابعي الغازي، كانت الأجواء في الملعب تشي بمباراة من طراز رفيع. سموحة، بقيادة مدربه أحمد عبدالعزيز، دخل اللقاء وهو يبحث عن كسر سلسلة النتائج السلبية واستعادة توازنه أمام أحد قطبي الكرة المصرية. وفي المقابل، كان الزمالك تحت قيادة معتمد جمال يدرك أن أي تعثر قد يعصف بطموحاته في المنافسة، خاصة مع رغبة الفريق في مواصلة نغمة الانتصارات التي حققها في الجولتين الماضيتين.
الهدوء الذي سبق العاصفة في المدرجات والتركيز العالي على وجوه اللاعبين أثناء فترة الإحماء، رسم لوحة من الترقب. الجماهير كانت تترقب كيف سيتعامل "الفارس الأبيض" مع دفاعات سموحة المنظمة، وهل سينجح "الموج الأزرق" في إغراق طموحات الضيوف؟ التوقعات كانت تشير إلى مباراة دفاعية مغلقة، وهو ما حدث بالفعل في فترات طويلة من اللقاء.
الشوط الأول.. حذر تكتيكي ومعركة في وسط الميدان
انطلقت المباراة بإيقاع هادئ نسبياً، حيث انحصر اللعب في منطقة وسط الملعب. الزمالك حاول فرض أسلوبه من خلال الاستحواذ على الكرة، والذي وصل في نهاية المطاف إلى 56%، لكنه قوبل بتنظيم دفاعي محكم من جانب لاعبي سموحة. الفريق السكندري اعتمد على تضييق المساحات والاعتماد على الكرات المرتدة، محاولاً استغلال سرعات مهاجميه.
مرت الدقائق الأولى دون خطورة حقيقية على المرميين، حيث طغى الحذر التكتيكي على الأداء السردي للمباراة. الفريقان تبادلا السيطرة في مناطق المناورة، لكن اللمسة الأخيرة كانت غائبة. الزمالك اعتمد على الأطراف، بينما حاول سموحة استغلال الكرات العالية التي تفوق فيها لاعبو الزمالك بوضوح، حيث فازوا بـ 21 صراعاً هوائياً مقابل 15 لأصحاب الأرض. لينتهي الشوط الأول بالتعادل السلبي، وسط شعور بأن المباراة تحتاج لشرارة لتشتعل.
التبديلات الجريئة.. معتمد جمال يقلب الطاولة
مع بداية الشوط الثاني، أدرك معتمد جمال أن فريقه بحاجة إلى دماء جديدة وأفكار مختلفة لفك الشفرة الدفاعية لسموحة. قام المدرب الزملكاوي بإجراء ثلاثة تبديلات دفعة واحدة قلبت موازين القوى؛ حيث دفع بكل من خوان الفينا بيزيرا، والمدافع العائد محمود الونش، وشيكو بانزا، بدلاً من محمد إبراهيم وأحمد فتوح وناصر منسي. هذه التغييرات أعطت الزمالك حيوية أكبر في الشق الهجومي وصلابة في الخلف.
لم تمر سوى دقيقتين حتى بدأت الإثارة تظهر، حيث تلقى عبد الرحمن عامر لاعب سموحة بطاقة صفراء في الدقيقة 47 نتيجة تدخل قوي، تبعها بـ 4 دقائق بطاقة مماثلة لـ محمد شحاتة من الزمالك، مما عكس ارتفاع رتم المباراة وزيادة حدة التنافس البدني بين اللاعبين.
لحظة الحسم.. عدي الدباغ يوقع على صك الانتصار
في الدقيقة 62، جاءت اللحظة التي انتظرها عشاق القميص الأبيض. ومن جملة فنية رائعة بدأت من البديل الناجح خوان الفينا بيزيرا، الذي مرر كرة حريرية "أسيست" وضعت المهاجم الفلسطيني عدي الدباغ في مواجهة المرمى، فلم يتوانَ الأخير في إيداعها الشباك ببراعة، معلناً عن هدف التقدم للزمالك. هذا الهدف لم يهز الشباك فحسب، بل هز أركان استاد برج العرب، وأشعل حماس دكة بدلاء الزمالك.
رد فعل سموحة كان سريعاً من الناحية الإدارية، حيث أجرى أحمد عبدالعزيز تبديلين في الدقيقة 63 بدخول عبده يحيى ومحمد كوني بدلاً من حسام أشرف وأحمد فوزي، في محاولة يائسة لتعديل النتيجة. ومع ذلك، ظل الزمالك مسيطراً على الإيقاع بفضل تمريراته المتقنة التي بلغت 433 تمريرة بنسبة نجاح وصلت إلى حوالي 80%.
الدقائق الأخيرة.. استبسال دفاعي ومحاولات سموحية ضائعة
في الربع ساعة الأخير، رمى سموحة بكل ثقله الهجومي، وأجرى سلسلة من التبديلات بدخول يوسف عفيفي، أحمد علي أمين، ومحمد مكرونه. ضغط سموحة بقوة وحصل على 4 ضربات ركنية، وأرسل 24 كرة عرضية داخل منطقة جزاء الزمالك، إلا أن دفاع الأبيض بقيادة الونش كان بالمرصاد لكل المحاولات. وعلى الرغم من أن سموحة سدد 9 كرات طوال المباراة، إلا أن واحدة فقط كانت بين القائمين والعارضة، مما يعكس افتقاد الفريق للفاعلية أمام المرمى.
الزمالك من جانبه، عرف كيف يسير الدقائق الأخيرة بخبرة كبيرة، حيث دفع المدرب باللاعب أحمد ربيع عطيه في الدقيقة 84 لتأمين وسط الملعب. صافرة النهاية التي أطلقها محمد التابعي الغازي جاءت لتعلن فوزاً شاقاً ومستحقاً للزمالك، وسط خيبة أمل بدت واضحة على وجوه لاعبي سموحة الذين قدموا مباراة قوية لكنها لم تكن كافية لهز شباك المنافس.
التحليل الختامي.. فوز الشخصية والتكتيك
أثبتت المباراة أن دكة بدلاء الزمالك كانت هي المفتاح الحقيقي لهذا الانتصار، فالتغييرات التي أجراها معتمد جمال لم تكن مجرد تبديل مراكز، بل كانت تغييراً في شكل وهوية الفريق الهجومية. في المقابل، عانى سموحة من غياب اللمسة الأخيرة رغم وصوله المتكرر لمناطق الزمالك، حيث ظهرت فجوة بين الاستحواذ والمحاولات وبين الخطورة الحقيقية.
بهذا الفوز، يرفع الزمالك رصيده إلى 10 نقاط من 5 مباريات، مؤكداً ملاحقته للصدارة ومستعيداً توازنه بشكل كامل بعد بداية متذبذبة في الموسم. أما سموحة، فيبقى في وضع صعب في المركز السابع برصيد خالٍ من النقاط في هذه المرحلة، مما يضع ضغوطاً كبيرة على مدربه أحمد عبدالعزيز في المواجهات القادمة. لقد كانت ليلة كروية أكدت أن كرة القدم لا تعترف إلا بمن يستغل الفرص، وأن خبرة الزمالك في مثل هذه المواعيد الكبرى تظل هي العلامة الفارقة.


