ملحمة "الباهية": تعادل مثير يفرض نفسه في قمة مولودية وهران واتحاد العاصمة
في أمسية كروية حبست الأنفاس وتزينت بألوان "الحمراوة" وشغف العاصمة، احتضن ملعب المباراة واحدة من أكثر مواجهات الدوري الجزائري إثارة وندية. لم تكن مجرد مباراة عادية في جدول المسابقة، بل كانت صراعاً على الهيبة وإثبات الذات بين مولودية وهران الطامحة لتثبيت أقدامها في المربع الذهبي، وإتحاد العاصمة الذي جاء محملاً بتاريخه العريق ورغبته في تحسين مركزه في وسط الجدول. انتهت الموقعة بتعادل إيجابي 2-2، لكن النتيجة الرقمية لا تعكس حجم الصخب الفني والبدني الذي شهدته أرضية الميدان طوال تسعين دقيقة من الركض المتواصل.
أجواء ما قبل الصافرة: قلعة وهران لا تقبل الانكسار
دخلت مولودية وهران اللقاء وهي تعول على حصنها المنيع؛ فالفريق الذي لم يتجرع مرارة الهزيمة على ملعبه سوى في مناسبة واحدة طوال الموسم، كان يدرك أن النقاط الثلاث تعني الاقتراب أكثر من ضمان المركز الرابع. في المقابل، وصل "سوسطارة" إلى وهران وهم يحملون لقب "ملوك التعادلات" في هذا الموسم برصيد 15 تعادلاً، وهو ما جعل التوقعات تشير إلى مباراة مغلقة تكتيكياً. الجماهير الوهرانية ملأت المدرجات مبكراً، وحولت الملعب إلى لوحة فنية صاخبة، بينما كان الهدوء الذي يسبق العاصفة يسيطر على غرف ملابس الفريقين، حيث وضع كل مدرب لمساته الأخيرة على خطة الإطاحة بالخصم.
الشوط الأول: صراع تكسير العظام وافتتاح التسجيل
مع إطلاق الحكم لصافرة البداية، لم يمهل الفريقان بعضهما وقتاً لجس النبض. اندفعت المولودية بضغط عالٍ مستغلة المساندة الجماهيرية الغفيرة، وحاولت اختراق دفاعات الاتحاد المتكتلة. الهجمات الوهرانية اتسمت بالسرعة والاعتماد على الكرات العرضية التي شكلت خطورة بالغة. وفي الدقيقة التي اشتعلت فيها المدرجات، نجح أصحاب الأرض في فك الشفرة الدفاعية وتسجيل الهدف الأول بعد جملة تكتيكية رائعة انتهت بوضع الكرة في الشباك، معلنة تقدم "الحمراوة" وسط فرحة هستيرية. لم يتراجع إتحاد العاصمة بل أظهر رباطة جأش كبيرة، وبدأ في تنظيم صفوفه والاعتماد على الهجمات المرتدة السريعة التي كانت تزعج دفاع الوهرانيين، لينتهي الشوط الأول بتقدم أصحاب الأرض بهدف نظيف، وسط أجواء مشحونة بالندية والبطاقات الصفراء التي بدأت تظهر للحد من التدخلات القوية.
الشوط الثاني: جنون الكرة وتقلبات النتيجة
دخل إتحاد العاصمة الشوط الثاني بوجه مغاير تماماً، حيث أجرى المدرب تبديلات استراتيجية بدخول عناصر هجومية لزيادة الكثافة داخل منطقة جزاء المولودية. هذا الضغط أسفر سريعاً عن هدف التعادل، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر. لم تتوقف الإثارة عند هذا الحد، بل استمر السجال الكروي في وسط الميدان، حيث تبادل الفريقان السيطرة. وفي لحظة غفلة دفاعية، تمكن الضيوف من قلب الطاولة وتسجيل الهدف الثاني، مما أصاب مدرجات وهران بصدمة مؤقتة. لكن روح "الحمراوة" لم تنطفئ، فالفريق الذي سجل 21 هدفاً على ملعبه هذا الموسم لا يعرف اليأس. ومع اقتراب المباراة من دقائقها الأخيرة، كثفت المولودية من هجماتها، وأجبرت دفاع الاتحاد على ارتكاب الأخطاء، ليأتي هدف التعادل القاتل الذي أعاد الروح لملعب المباراة، لتصبح النتيجة 2-2.
التحليل التكتيكي: كيف أدار المدربون معركة النقاط؟
كانت التبديلات هي كلمة السر في هذا اللقاء؛ فدخول لاعبي الاحتياط في صفوف إتحاد العاصمة منح الفريق نفساً جديداً وقدرة على التحول السريع من الدفاع للهجوم. في المقابل، عانى دفاع مولودية وهران في لحظات معينة من عدم التركيز، خاصة في الكرات الثابتة، لكن الرغبة الهجومية الجارفة عوضت تلك الثغرات. الإحصائيات تشير إلى تقارب كبير في الاستحواذ، لكن الفاعلية الهجومية كانت حاضرة من الجانبين. البطاقات الملونة التي أشهرها الحكم لعبت دوراً في تهدئة وتيرة اللعب في بعض الفترات، حيث خشي اللاعبون من تلقي البطاقة الحمراء التي كانت ستكلف فريقهم الكثير في ظل هذا الاندفاع البدني الكبير.
الخاتمة: تعادل بطعم الفوز للبعض وخسارة للآخر
عندما أطلق الحكم صافرة النهاية، كانت ملامح الإرهاق واضحة على وجوه اللاعبين، فالمباراة استنزفت كل طاقاتهم. بالنسبة لـ مولودية وهران، هذا التعادل رفع رصيدهم إلى 50 نقطة، ليعززوا مكانتهم في المركز الرابع ويحافظوا على سجلهم القوي في "الباهية". أما إتحاد العاصمة، فقد أضاف تعادلاً جديداً لسجله الحافل بالتعادلات هذا الموسم، ليصل إلى النقطة 40 في المركز العاشر. خرجت الجماهير وهي تتحدث عن جمالية الأهداف والروح القتالية، في مباراة أكدت أن الدوري الجزائري يظل وفياً لوعوده بتقديم المتعة والإثارة حتى الثواني الأخيرة. لقد كانت ليلة كروية للذكرى، أثبتت أن كرة القدم لا تعترف بالترتيب بقدر ما تعترف بالعطاء فوق المستطيل الأخضر.


