عناق النقاط في الدمام: الاتفاق والخليج يرتضيان بالتعادل في ليلة تقلبات الـ VAR
لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول دوري روشن السعودي، بل كانت ملحمة كروية احتضنها ملعب نادي الاتفاق بالدمام، حيث التقت الطموحات وتصادمت الرغبات في مواجهة حبست الأنفاس حتى الثواني الأخيرة. في أمسية كروية قادها الحكم فيصل البلوي، انتهى الحوار الفني بين المدربين "أرثر باباس" و"جوزيه جوميز" على وقع تعادل إيجابي بنتيجة 1-1، وهي النتيجة التي لم تمنح كامل الرضا لأي طرف، لكنها جسدت تفاصيل صراع تكتيكي مرير دارت رحاه على عشب الملعب الأخضر.
هدوء ما قبل العاصفة وصراع تكسير العظام
دخل الفريقان أرض الملعب وسط أجواء جماهيرية صاخبة، فالجمهور الاتفاقي كان يمني النفس بانتصار يقفز بفريقه نحو المربع الذهبي، بينما كان "دانة سيهات" يبحث عن طوق نجاة يخرجه من مناطق الخطر في أسفل الترتيب. منذ الصافرة الأولى، ظهرت ملامح الصرامة التكتيكية؛ حيث اعتمد "أرثر باباس" على الضغط العالي، بينما فضل "جوزيه جوميز" إغلاق المساحات والاعتماد على التحولات السريعة. لم تمر سوى 11 دقيقة حتى بدأت الأوراق الصفراء تظهر في يد البلوي، حيث نال عبدولاي كانتي إنذاراً مبكراً لضبط إيقاع الوسط الاتفاقي، وتبعه صالح العمري من جانب الخليج في الدقيقة 14، في إشارة واضحة إلى أن المباراة لن تمر بسلام دون اصطدامات بدنية قوية.
شهد الشوط الأول تغييراً اضطرارياً مبكراً للخليج، حين غادر "كريسبو" الملعب في الدقيقة 31 تاركاً مكانه لـ فهد الرشيدي، وهو التبديل الذي أربك حسابات جوميز قليلاً لكنه حافظ على تماسك فريقه الدفاعي لينتهي الشوط الأول بصمت تهديفي، ولكنه كان صمتاً يسبق ضجيجاً قادماً في النصف الثاني من اللقاء.
جوشوا كينج يفتتح التسجيل ولعبة التبديلات تشتعل
مع انطلاقة الشوط الثاني، قرر مدرب الخليج رمي أوراقه الرابحة، فدفع بالمهاجم الخبير جوشوا كينج والحارس مروان الحيدري بدلاً من أنتوني موريس وماتيو بينيغاس. كان هذا التحول بمثابة الوقود الذي أشعل هجوم الخليج. وفي الدقيقة 68، تسبب الضغط الخلجاوي في الحصول على ركلة جزاء، انبرى لها جوشوا كينج بكل ثبات، ليرسل الكرة إلى الشباك معلناً تقدم الضيوف وإسكات مدرجات الدمام لبرهة من الزمن.
ردة فعل "أرثر باباس" كانت سريعة وجريئة، حيث أجرى سلسلة تبديلات في الدقيقتين 74 و75، فدفع بـ سلطان هارون ومشعل يوسف العلائلي بدلاً من موسى ديمبيلي ومدالله العليان. لم يكن أحد يتوقع أن هذه التبديلات ستؤتي ثمارها بهذه السرعة الفائقة، ففي الدقيقة 76، ومن أول لمسة تقريباً، أرسل البديل مشعل العلائلي تمريرة حاسمة متقنة وضعت بيرسانت سيلينا في مواجهة المرمى، ليطلق الأخير تسديدة سكنت الشباك، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر ومفجراً طاقات الفرح في مدرجات "فارس الدهناء".
دراما الـ VAR وصمود الدقائق الأخيرة
دخلت المباراة في نفق مظلم من الإثارة مع اقتراب النهاية. في الدقيقة 86، ظن الجميع أن الاتفاق قد حسم المعركة حين سجل جوردان لارسون هدفاً ثانياً بعد تمريرة من المتألق سلطان هارون، لكن الفرحة لم تكتمل؛ إذ تدخلت تقنية الفيديو (VAR) لتلغي الهدف بداعي وجود مخالفة، مما أصاب دكة بدلاء الاتفاق بالإحباط والذهول. هذا القرار زاد من توتر الأعصاب، مما أدى إلى سيل من البطاقات الصفراء في الدقائق الأخيرة، نالها كل من عبدالله خطيب وسلطان هارون من الاتفاق، وماجد كنبه من الخليج في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع.
حاول الاتفاق الضغط بكل ثقله عبر تحركات ياسر الشمري ومرزوق تمبكتي اللذين دخلا في الدقائق الأخيرة، إلا أن دفاع الخليج بقيادة عمر ماسكريل (الذي نال إنذاراً في الدقيقة 57) استبسل في حماية عرينه، لتنتهي المباراة بتعادل عادل في تفاصيله، ومثير في أحداثه، ليرفع الاتفاق رصيده إلى 12 نقطة في المركز السابع، بينما ظل الخليج يعاني في المركز الثالث عشر برصيد 6 نقاط.
تحليل تكتيكي: كيف غيرت الأوراق البديلة وجه المباراة؟
أثبتت هذه المباراة أن دكة البدلاء هي "الرئة" التي تتنفس منها الفرق في دوري روشن. تفوق جوزيه جوميز في قراءة الشوط الثاني بإشراك جوشوا كينج الذي سجل الهدف، لكن أرثر باباس تفوق عليه في "فن الاستجابة"، حيث إن التبديلات المزدوجة التي أجراها في الدقيقة 75 كانت هي المفتاح لفك شفرة الدفاع الخلجاوي. صناعة مشعل العلائلي لهدف التعادل بعد ثوانٍ من دخوله تؤكد القيمة الفنية العالية للاعبين البدلاء في منظومة الاتفاق.
على الجانب الآخر، أظهرت الإحصائيات أن المباراة كانت متكافئة إلى حد كبير، حيث تبادل الفريقان السيطرة على مناطق المناورة، ولكن غياب اللمسة الأخيرة قبل إلغاء هدف لارسون حرم الاتفاق من النقاط الثلاث. الخليج بدوره أظهر روحاً قتالية عالية، خاصة في التعامل مع الضغط الجماهيري، وخرج بنقطة ثمينة من خارج دياره قد تكون بداية التصحيح لمساره المتعثر في الجولات الأخيرة.
الخاتمة: صراع البقاء وطموح الارتقاء
بهذا التعادل، يواصل الاتفاق رحلة البحث عن الاستقرار في مراكز النخبة، مدركاً أن إهدار النقاط على ملعبه قد يكلفه الكثير في نهاية المشوار. أما الخليج، فرغم استمرار غيابه عن نغمة الانتصارات، إلا أن الأداء البطولي أمام فريق بحجم الاتفاق يمنح جماهيره بصيصاً من الأمل. غادر اللاعبون أرض الملعب، لكن أصداء هذه المباراة ستبقى تتردد في أروقة الناديين، كشاهد على ليلة كروية لم تبخل بأي قطرة عرق، وأكدت أن دوري روشن لا يعترف بالنتائج المسبقة، بل بما يقدمه اللاعبون فوق المستطيل الأخضر حتى يطلق الحكم صافرة النهاية.


