جنوى يروض الفيولا في ليلة صاخبة بملعب لويجي فيراريس
تحت أضواء ملعب لويجي فيراريس التاريخية، وفي ليلة امتزجت فيها رائحة العشب بصيحات الجماهير الوفيرة، نجح نادي جنوى في انتزاع فوز ثمين ومستحق على ضيفه فيورنتينا بنتيجة 2-1، ضمن منافسات الدوري الإيطالي لموسم 2026/2027. كانت المباراة أكثر من مجرد ثلاث نقاط؛ بل كانت صراعاً تكتيكياً محتدماً بين مدرستين مختلفتين، حيث تفوق دانييلي دي روسي في قراءته للملعب على نظيره باولو فانولي، في لقاء حبس الأنفاس حتى الثواني الأخيرة.
أجواء ما قبل الصافرة: صراع الجريحين
دخل الفريقان المباراة وهما يدركان حجم الضغوط الملقاة على عاتقهما؛ فكلاهما كان يقبع في مناطق متأخرة بجدول الترتيب، حيث احتل جنوى المركز السابع عشر وفيورنتينا المركز الثامن عشر قبل انطلاق الصافرة. ملعب لويجي فيراريس، الذي يشتهر بكونه حصناً منيعاً لـ "الغرينفوني"، كان يغلي بالحماس، وجماهير جنوى لم تتوقف عن الغناء، مما خلق أجواءً مهيبة أرغمت الضيوف على التراجع منذ اللحظات الأولى. التوقعات كانت تشير إلى مباراة دفاعية حذرة، لكن ما حدث على أرضية الميدان كسر كل التوقعات، حيث اندفع أصحاب الأرض للهجوم بضراوة منذ الدقيقة الأولى.
الشوط الأول: إعصار جنوى يضرب مبكراً
لم يمهل جنوى ضيفه الكثير من الوقت لترتيب أوراقه؛ ففي الدقيقة السابعة، ومن هجمة منظمة بدأت من منتصف الملعب، أرسل ميكائيل إليرتسون تمريرة حاسمة ومتقنة ضربت الخطوط الدفاعية للفيولا، لتجد القناص ميلوتين اوسماجيتش الذي لم يتوانَ عن إيداعها الشباك، مفجراً بركان الفرح في المدرجات. هذا الهدف المبكر منح لاعبي دي روسي ثقة هائلة، بينما بدا التخبط واضحاً على ملامح لاعبي فيورنتينا.
واستمر الضغط الأحمر والأزرق، وفي الدقيقة الخامسة عشرة، تبادل أصحاب الهدف الأول الأدوار؛ حيث تقمص ميلوتين اوسماجيتش دور صانع الألعاب هذه المرة، مهدياً كرة ذهبية لزميله جونيور ميسياس، الذي استغل مهارته العالية ليضع الكرة في المرمى معلناً عن الهدف الثاني. في تلك اللحظة، بدا أن فيورنتينا في طريقه لانهيار تاريخي، خاصة مع حصول المدافع لوكا رانييري على بطاقة صفراء في نفس دقيقة الهدف نتيجة تدخل متهور، تبعها بطاقة أخرى لزميله كريست اناو في الدقيقة 21، مما عكس حالة التوتر الكبيرة في صفوف "الفيولا".
الشوط الثاني: تبديلات تكتيكية وعودة من بعيد
مع بداية الشوط الثاني، أدرك المدرب باولو فانولي أن فريقه يحتاج لضخ دماء جديدة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فأجرى تبديلين دفعة واحدة بخروج كريست اناو ولوكا رانييري ودخول اليو نيجي وفييري. هذه التغييرات أعادت التوازن نسبياً لوسط ملعب فيورنتينا، وبدأ الضيوف في الاستحواذ على الكرة بشكل أكبر. وفي المقابل، حاول دي روسي تأمين تقدمه بإشراك فيتور أوليفيرا فيتينها وصامويل ويافي بدلاً من ميسياس والشعراوي في الدقيقة 57.
وبينما كانت المباراة تسير نحو هدوء نسبي، اشتعلت المدرجات مجدداً في الدقيقة 73، ولكن هذه المرة لصالح الضيوف وبطريقة غير متوقعة؛ حيث أخطأ المدافع يوهان فاسكيز في إبعاد إحدى الكرات العرضية ليسكنها في مرماه عن طريق الخطأ (هدف عكسي)، معيداً الأمل لفيورنتينا ومشعلاً الدقائق المتبقية من اللقاء. هذا الهدف جعل الأعصاب مشدودة، وبدأ الحكم فابيو ماريسكا في إخراج البطاقات الملونة للسيطرة على الالتحامات البدنية القوية.
دقائق الحسم وتوتر اللحظات الأخيرة
شهدت الربع ساعة الأخيرة من المباراة صراعاً بدنياً عنيفاً؛ حيث حاول فيورنتينا بكل ثقله إدراك التعادل، بينما استبسل دفاع جنوى أمام مرماه. وفي الدقيقة 74، تلقى حامد تراوري بطاقة صفراء، تلاه يوهان فاسكيز في الدقيقة 84 وصامويل ويافي في الدقيقة 85. مدرب فيورنتينا رمى بكل أوراقه بإشراك دودو وبيدرو جونسالفيس، لكن التنظيم الدفاعي لجنوى كان حاضراً بقوة.
الحكم احتسب 5 دقائق كوقت بدل ضائع، كانت بمثابة دهر على جماهير جنوى. في الدقيقة 91، حصل فيتور أوليفيرا فيتينها على إنذار نتيجة تعطيل اللعب، وفي الدقيقة الأخيرة من الوقت الضائع (95)، نال ستيفانو سابيلي بطاقة صفراء أخرى في محاولة لقتل الوقت. ومع صافرة النهاية، انطلقت الاحتفالات الصاخبة في ملعب لويجي فيراريس، معلنة عن فوز شاق ولكنه مستحق لأصحاب الأرض.
التحليل الفني: كيف حسم دي روسي المعركة؟
كانت المباراة درساً في كيفية استغلال البدايات القوية؛ فجنوى لم يكتفِ بالدفاع بل باغت خصمه بهجوم كاسح في أول ربع ساعة، وهو ما أربك حسابات فانولي تماماً. إحصائيات المباراة تشير إلى تقارب في الاستحواذ في الشوط الثاني، لكن الفعالية الهجومية كانت لجنوى في الشوط الأول. التبديلات التي أجراها دي روسي، رغم أنها كانت دفاعية الطابع في أواخر اللقاء، إلا أنها نجحت في امتصاص حماس لاعبي فيورنتينا الذين اعتمدوا على الكرات العرضية التي تعامل معها دفاع جنوى بيقظة، باستثناء هفوة الهدف العكسي.
البطاقات الصفراء الكثيرة التي شهدها اللقاء (9 بطاقات إجمالاً) تعكس مدى الندية والرغبة في الفوز من الطرفين، حيث نال لاعبو جنوى نصيب الأسد منها في الدقائق الأخيرة نتيجة الضغط المتواصل من الفيولا. الحكم فابيو ماريسكا كان حازماً في قراراته، مما منع المباراة من الخروج عن السيطرة في ظل التوتر العالي.
الخاتمة: جنوى يتنفس الصعداء
بهذا الانتصار، رفع جنوى رصيده إلى 7 نقاط، ليقفز خطوة هامة بعيداً عن مراكز الهبوط المباشرة، ويمنح مدربه دانييلي دي روسي جرعة كبيرة من الثقة لمواصلة مشواره في "السيري آ". في المقابل، تضاعفت جراح فيورنتينا الذي ظل في المركز الثامن عشر، مما يضع مستقبل مدربه فانولي على المحك. لقد كانت ليلة كروية إيطالية خالصة، تجلت فيها الروح القتالية والرغبة في البقاء، وانتهت بابتسامة عريضة لجماهير "الغرينفوني" التي غادرت الملعب وهي تمني النفس بموسم أكثر استقراراً ونجاحاً.


