سيد البلد يروي حكاية الصمود.. الاتحاد السكندري يقلب الطاولة على الجونة في ليلة سكندرية صاخبة
تحت أضواء ستاد الإسكندرية العريق، وبين جدرانه التي تفوح برائحة التاريخ، عاشت جماهير "زعيم الثغر" ليلة درامية لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت ملحمة من الصمود والإصرار. في مواجهة جمعت بين طموح الاتحاد السكندري في البقاء ضمن المربع الذهبي، ورغبة الجونة في الهروب من قاع الجدول، حسم أصحاب الأرض الموقعة بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد، في لقاء أداره ببراعة الحكم طارق مجدي، وشهد تحولات دراماتيكية جعلت القلوب تخفق حتى صافرة النهاية.
صدمة البداية وهدير "سيد البلد"
لم يكد الجمهور السكندري يستقر في مقاعده، حتى خيم صمت مفاجئ على أرجاء الملعب في الدقيقة الثامنة. في لحظة لم يكن يتوقعها أشد المتشائمين، ارتكب المدافع ميدو مصطفى خطأً فادحاً بإيداع الكرة في مرماه، ليمنح الجونة هدفاً عكسياً مجانياً. كانت تلك اللحظة بمثابة اختبار حقيقي لشخصية فريق المدرب حمزة الجمل؛ فإما الانهيار تحت ضغط المفاجأة، أو الانتفاضة لرد الاعتبار.
ولأن الاتحاد لا يعرف الاستسلام على أرضه، جاء الرد صاعقاً وسريعاً. لم تمر سوى دقيقتين فقط حتى تحولت الحسرة إلى انفجار من الفرحة. بانطلاقة ذكية وتمريرة حاسمة من المتألق جوزيف أرومالا، وجد القناص حسام حسن نفسه في مواجهة الشباك، ليطلق رصاصة الرحمة في مرمى الجونة في الدقيقة العاشرة، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر ومشعلاً حماس المدرجات الخضراء التي لم تتوقف عن الهتاف.
صراع تكتيكي ومعركة "تكسير العظام"
بعد التعادل السريع، تحولت المباراة إلى معركة تكتيكية في وسط الملعب. حاول أحمد مصطفى بيبو، مدرب الجونة، إغلاق المساحات والاعتماد على المرتدات، لكن الضغط السكندري كان شرساً. اتسم اللعب بالندية والقوة البدنية، مما اضطر الحكم طارق مجدي لإشهار البطاقة الصفراء الأولى في وجه لاعب الجونة أوجو صامويل في الدقيقة 41، بعد تدخل عنيف لتعطيل هجمة واعدة للاتحاد. انتهى الشوط الأول والتعادل سيد الموقف، لكن الأجواء كانت تشير إلى أن الإثارة الكبرى لم تبدأ بعد.
مع انطلاق الشوط الثاني، أجرى الجونة تبديلاً مبكراً بدخول عمر الجزار بدلاً من زياد الشيات في محاولة لضخ دماء جديدة، لكن الإعصار الأخضر كان يستعد للضرب من جديد. وفي الدقيقة 60، ومن جملة فنية رائعة، نجح محمد تونى في تسجيل الهدف الثاني للاتحاد، واضعاً فريقه في المقدمة ومكللاً مجهوداته الكبيرة طوال اللقاء.
منعطف المباراة والبطاقة الحمراء
لم تكد تمر دقيقتان على هدف التقدم، حتى تلقى فريق الجونة ضربة قاصمة قضت على آماله في العودة بسهولة. ارتكب أوجو صامويل خطأً جديداً لم يتوانَ الحكم عن معاقبته عليه بالبطاقة الصفراء الثانية ثم البطاقة الحمراء في الدقيقة 62. هذا النقص العددي أجبر الضيوف على التراجع، بينما استغل حمزة الجمل الموقف لفرض سيطرته المطلقة على مجريات اللعب.
بدأت سلسلة من التبديلات من كلا الطرفين؛ حيث دفع مدرب الاتحاد بـ أحمد ناجي ومحمود عماد بدلاً من أرومالا ومحمد تونى في الدقيقة 66 للحفاظ على توازن الخطوط. وفي المقابل، حاول بيبو إنقاذ ما يمكن إنقاذه بإشراك محمد رضا وعلاء شعبان ومروان عصام، لكن التنظيم الدفاعي للاتحاد كان سداً منيعاً أمام كل المحاولات الساحلية للضيوف.
الدقائق الأخيرة وحنكة "الجمل"
في الربع الأخير من المباراة، أظهر الاتحاد نضجاً كبيراً في تدوير الكرة واستهلاك الوقت بشكل قانوني. دخل المهاجم القوي جون إيبوكا في الدقيقة 75 بدلاً من صاحب الهدف الأول حسام حسن، ليشكل محطة هجومية قوية ترهق دفاعات الجونة المتعبة. ثم توالت التغييرات بدخول يسري وحيد وأحمد حمدي في الدقيقة 80، لتأمين وسط الملعب تماماً.
رغم محاولات الجونة الخجولة في اللحظات الأخيرة، إلا أن الصمود السكندري كان عنوان المشهد. ومع إطلاق صافرة النهاية بعد 97 دقيقة من الإثارة، احتفل لاعبو الاتحاد مع جماهيرهم بانتصار ثمين رفع رصيدهم إلى 13 نقطة، ليعززوا مكانتهم في المركز الرابع بجدول ترتيب "دوري أورا"، محققين فوزهم الرابع في ست مباريات.
الخلاصة: انتصار الهوية والطموح
أثبتت هذه المباراة أن الاتحاد السكندري يمتلك هذا الموسم "نَفَس" الكبار؛ فالقدرة على العودة بعد التأخر بهدف مبكر، والتعامل بحنكة مع النقص العددي للمنافس، هي سمات الفرق التي تطمح للمنافسة على الألقاب. في المقابل، تجمد رصيد الجونة عند نقطتين فقط في المركز التاسع عشر، ليبقى في دائرة الخطر بانتظار معجزة تعيده إلى سكة الانتصارات الغائبة عنه تماماً هذا الموسم.
لقد كانت ليلة للذاكرة في ستاد الإسكندرية، أكدت أن "سيد البلد" لا يرضى بغير الفوز بديلاً، وأن جماهيره الوفية هي الوقود الذي يحرك هذا الكيان العظيم نحو القمة، في موسم يبدو أنه سيحمل الكثير من الأفراح لعشاق اللون الأخضر.


