عاصفة "الغواصات الصفراء" تُغرق طموحات نابولي في ليلة أوروبية صاخبة
تحت أضواء الكشافات المتلألئة في ملعب "لاسيراميكا"، وفي ليلة اكتست برداء دوري أبطال أوروبا المهيب، استقبلت جماهير فياريال فريقها بهتافات هزت أركان المدينة الإسبانية الصغيرة، معلنةً عن انطلاق ملحمة كروية لم تكن مجرد مباراة في الجولة الأولى، بل كانت صراع إرادات بين طموح "الغواصات الصفراء" وخبرة "بارتنوپي" الإيطالي. وانتهت الموقعة بانتصار مستحق لفياريال بنتيجة 3-1، ليحصد أول ثلاث نقاط ثمينة في مشواره القاري، تاركاً خلفه تساؤلات عديدة في معسكر الفريق الجنوبي الإيطالي.
هدوء ما قبل العاصفة.. وصدمة البداية
دخل الفريقان أرضية الملعب وسط أجواء مشحونة بالحماس، حيث رسمت الجماهير لوحة فنية باللون الأصفر غطت المدرجات. كان المدرب إينيجو بيريز يدرك أن مواجهة محنك مثل ماسيميليانو آليغري تتطلب تركيزاً ذهنياً فائقاً. ومع صافرة الحكم جان سيدل، بدأت المناورة التكتيكية، لكن الصمت خيم على "لاسيراميكا" مبكراً وفي الدقيقة الثامنة تحديداً، حينما ارتقى المدافع أمير رحماني لكرة عرضية متقنة، مسكناً إياها شباك أصحاب الأرض، ليمنح نابولي تقدماً مبكراً صدم المدرجات وأربك حسابات فياريال.
لم يكن الهدف مجرد رقم على اللوحة، بل كان اختباراً حقيقياً لشخصية لاعبي فياريال. نابولي بأسلوبه الإيطالي المعتاد حاول امتصاص حماس الخصم، معتمداً على الاستحواذ الذي وصل إلى 52% بنهاية اللقاء، لكن "الغواصات الصفراء" لم تكن لتغرق بهذه السهولة في أعماق ملعبها.
انتفاضة صفراء تقلب الموازين
بعد فترة من التخبط، بدأ فياريال في استعادة توازنه، محولاً ضغط الجماهير إلى طاقة إيجابية. وفي الدقيقة الثالثة والعشرين، انفجر الملعب فرحاً حينما نجح القناص جورج ميكاوتادز في تسجيل هدف التعادل، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر. لم يكتفِ ميكاوتادز بالهدف، بل نال بطاقة صفراء في الدقيقة 33 تعكس مدى الاندفاع البدني والقتالية التي لعب بها.
ولم يكد نابولي يستفيق من صدمة التعادل، حتى جاءت الضربة القاضية الثانية في غضون ثلاث دقائق فقط. ففي الدقيقة السادسة والعشرين، وبلمحة فنية من القائد جيرارد مورينو الذي قدم تمريرة حاسمة (أسيست) تدرس، وضع سانتياغو مورينيو الكرة في الشباك معلناً عن الهدف الثاني لفياريال. في تلك اللحظة، تحول الملعب إلى مرجل يغلي، وبدت ملامح القلق واضحة على وجه آليغري الذي شاهد تفوق فريقه يتبخر في لحظات جنونية.
صراع تكتيكي وتبديلات لم تُسعف "الجنوب"
مع انطلاق الشوط الثاني، حاول نابولي العودة في النتيجة، وزج آليغري بكل أوراقه الرابحة. شهدت الدقيقة الستين وما بعدها ثورة في التبديلات، حيث دخل نوا لانج وليوناردو سبينازولا، ثم تبعهما دافيد نيريس بدلاً من بوليتانو. ومع ذلك، اصطدمت المحاولات الإيطالية بجدار دفاعي صلب يقوده ناثان صاليبا، الذي نال بطاقة صفراء في الدقيقة 67 نتيجة تدخل قوي لحماية عرينه.
حتى النجم كيفين دي بروين، الذي كان تحت مجهر الرقابة اللصيقة، لم يسلم من ضغط المباراة ونال بطاقة صفراء في الدقيقة 62. وفي المقابل، كان إينيجو بيريز ذكياً في التعامل مع الإرهاق البدني، فقام بإخراج نجومه مورينو وميكاوتادز لإدخال دماء جديدة متمثلة في تاني أولواسي والكسندر فريمان، وهي التبديلات التي كانت بمثابة رصاصة الرحمة في وقت لاحق.
رصاصة الرحمة وإطلاق صافرة النهاية
بينما كان نابولي يرمي بكل ثقله للأمام، تاركاً مساحات شاسعة في الخلف، استغل فياريال إحدى المرتدات الخاطفة في الدقيقة السادسة والثمانين. البديل ايوزي بيريز، الذي دخل قبل دقائق معدودة، أظهر رؤية ثاقبة بتمريره كرة ذهبية للبديل الآخر تاني أولواسي، الذي لم يتوانَ عن إيداعها المرمى، مسجلاً الهدف الثالث ومطلقاً رصاصة الرحمة على آمال الطليان.
الإحصائيات عكست تقارباً كبيراً في الأداء، حيث سدد فياريال 8 كرات مقابل 7 لنابولي، وتساوى الفريقان في عدد الركنيات (3 لكل فريق)، لكن الفعالية الهجومية كانت تميل بوضوح لأصحاب الأرض. ومع نيل جيوفاني دى لورينزو بطاقة صفراء في الدقائق الأخيرة، بدا واضحاً أن الإحباط قد تمكن من لاعبي نابولي الذين فشلوا في اختراق حصون "الغواصات".
الخلاصة: فجر جديد في "لاسيراميكا"
بهذا الفوز العريض، قفز فياريال إلى المركز الرابع عشر في جدول ترتيب البطولة بنظامها الجديد، محققاً انطلاقة مثالية تمنحه الثقة لمواجهة كبار القارة. أما نابولي، فيجد نفسه في وضع لا يحسد عليه في المركز الحادي والثلاثين بعد خسارتين متتاليتين، مما يضع المدرب آليغري تحت مقصلة الانتقادات.
لقد أثبت فياريال أن الروح القتالية والتنظيم التكتيكي يتفوقان أحياناً على الأسماء الرنانة والاستحواذ السلبي. غادر المشجعون الملعب وهم يتغنون بأسماء ميكاوتادز وأولواسي، مدركين أن فريقهم يمتلك الأسلحة اللازمة للذهاب بعيداً في هذه النسخة من دوري أبطال أوروبا، بينما عاد نابولي إلى دياره محملاً بجراح الهزيمة ودروس قاسية يجب استيعابها قبل فوات الأوان.


