فنربخشة يعزف سيمفونية الثلاثية في معقل ريزه سبور ويؤكد طموحاته الصريحة
في أمسية كروية تجسدت فيها معاني النجاعة الهجومية والذكاء التكتيكي، نجح نادي فنربخشة في العودة من رحلته إلى الشمال بانتصار ثمين ومستحق على مضيفه تشايكور ريزه سبور بنتيجة ثلاثة أهداف دون رد. المباراة التي احتضنها "ملعب تشايكور ريزا سبور" ضمن منافسات دوري السوبر التركي، لم تكن مجرد مواجهة عابرة، بل كانت استعراضاً للقوة من قبل كتيبة المدرب إسماعيل كارتل، التي عرفت كيف تروض طموحات أصحاب الأرض وتخطف النقاط الثلاث بأسلوب السهل الممتنع، لترتقي بالفريق إلى المركز الثالث في جدول الترتيب.
أجواء مشحونة وترقب في مدرجات ريزا
قبل إطلاق صافرة البداية من قبل الحكم اوزان ارغون، كانت الأجواء في مدرجات ملعب ريزا توحي بليلة صعبة على الضيوف. الجماهير المحلية ملأت جنبات الملعب، آملة في تعثر العملاق القادم من إسطنبول، خاصة وأن ريزه سبور بقيادة مدربه رجب أوشار كان يطمح لتحسين موقعه في وسط الجدول. الرطوبة العالية والحماس الجماهيري شكلا ضغطاً مبكراً، لكن خبرة لاعبي فنربخشة كانت كفيلة بامتصاص هذا الحماس وتحويله إلى وقود لمحركاتهم الهجومية التي لم تتوقف عن الدوران طوال تسعين دقيقة.
لدغة أسينسيو المبكرة ترسم ملامح الشوط الأول
لم يمهل فنربخشة مضيفه الكثير من الوقت لترتيب أوراقه؛ فمع حلول الدقيقة الثالثة عشرة، ومن جملة تكتيكية منظمة، استلم النجم كريم أكتوركوغلو الكرة في رواق مميز، ليرسل تمريرة حاسمة "أسيست" وضعت الدولي الإسباني ماركو أسينسيو في مواجهة المرمى. أسينسيو، بلمسته المعتادة وهدوئه أمام الشباك، لم يتوانَ عن إيداع الكرة في المرمى معلناً عن الهدف الأول. هذا الهدف المبكر صدم مدرجات ريزا وأجبر أصحاب الأرض على التخلي عن حذرهم الدفاعي، مما فتح المساحات أمام هجمات فنربخشة المرتدة. ورغم محاولات تشايكور ريزه سبور للعودة، إلا أن الشوط الأول انتهى بتقدم الضيوف بهدف نظيف، وسط انضباط دفاعي كبير.
صمود ريزه سبور وإعصار التبديلات في الشوط الثاني
دخل تشايكور ريزه سبور الشوط الثاني بضغط هائل، حيث تشير الإحصائيات إلى وصولهم لـ 19 تسديدة إجمالية طوال المباراة، منها 5 تسديدات بين الخشبات الثلاث، وهو نفس عدد تسديدات فنربخشة على المرمى. استحوذ ريزه سبور على الكرة بنسبة 51%، وحاول المدرب رجب أوشار تنشيط دماء فريقه بسلسلة من التبديلات، حيث دفع بـ يوستين دويكارو بدلاً من احمد كوتوكو، ثم أدخل انور بولوت وكان بوزدوجان في الدقيقة 72، لكن اللمسة الأخيرة غابت عن مهاجمي الفريق أمام تألق حارس وعناصر دفاع الفنار.
على الجانب الآخر، كان المدرب إسماعيل كارتل يقرأ المباراة بذكاء شديد. في الدقيقة 69، سحب صاحب الهدف الأول أسينسيو ليدفع بـ ارفان جان كاهفجي، ثم أجرى تبديلاً مزدوجاً في الدقيقة 80 بدخول القناص روميلو لوكاكو والجناح السريع اوجوز ايدين بدلاً من فيديت موريكي وماسون جرينوود. هذه التبديلات كانت بمثابة "رصاصة الرحمة" التي أطلقها كارتل على طموحات ريزه سبور، حيث تحول الملعب في الدقائق العشر الأخيرة إلى مسرح لاستعراض مهارات البدلاء.
عشر دقائق من الجنون الكروي
في الدقيقة 83، ومن هجمة مرتدة نموذجية، رد البديل اوجوز ايدين الهدية لزميله ارفان جان كاهفجي بتمريرة دقيقة، لم يجد الأخير صعوبة في تحويلها إلى هدف ثانٍ قتل أحلام العودة لدى ريزه سبور. ولم يكتفِ فنربخشة بهذا القدر، فبينما كان الجميع ينتظر صافرة النهاية، وتحديداً في الدقيقة 87، ظهر العملاق البلجيكي روميلو لوكاكو ليصنع الهدف الثالث ببراعة لزميله اوجوز ايدين، الذي توج مجهوده الكبير بهدف رائع هز شباك أصحاب الأرض للمرة الثالثة.
تأثر ريزه سبور كثيراً بعدم القدرة على استغلال الركنيات والعرضيات، حيث أرسلوا 19 عرضية لم تثمر عن أهداف، بينما كان فنربخشة أكثر فاعلية واستغلالاً للفرص المحققة. المباراة شهدت هدوءاً نسبياً من حيث التدخلات العنيفة، حيث لم يشهر الحكم اوزان ارغون أي بطاقة حمراء أو صفراء، مما يعكس الروح الرياضية العالية والتركيز الفني البحت من الجانبين.
تحليل تكتيكي وخاتمة المساء
أثبتت هذه المباراة أن الاستحواذ وكثرة التسديدات لا تعني بالضرورة الفوز؛ فرغم تفوق ريزه سبور في عدد التمريرات (438 تمريرة مقابل 430 لفنربخشة) وفي نسبة الاستحواذ، إلا أن فنربخشة كان الطرف الأكثر نضجاً. التبديلات التي أجراها كارتل كانت نقطة التحول الكبرى، حيث ساهم البدلاء الثلاثة (كاهفجي، ايدين، ولوكاكو) بشكل مباشر في تسجيل وصناعة الهدفين الثاني والثالث، مما يعكس عمق التشكيلة وقوة دكة البدلاء في النادي الأصفر والأزرق.
بهذا الفوز العريض، يرفع فنربخشة رصيده إلى 13 نقطة محتلاً المركز الثالث، ومواصلاً مطاردة الصدارة، بينما تجمد رصيد تشايكور ريزه سبور عند 10 نقاط في المركز التاسع. لقد كانت ليلة للذكرى في ريزا، أكد فيها فنربخشة أنه رقم صعب في معادلة الدوري التركي، وأن رحلته نحو اللقب تسير بخطى ثابتة وواثقة.


