دراما نجران.. ملحمة الأخدود والرياض تنتهي بتعادل يحبس الأنفاس
في ليلة شتوية دافئة بملعب مدينة الأمير هذلول بن عبدالعزيز الرياضية في نجران، حبس عشاق كرة القدم أنفاسهم أمام واحدة من أكثر مباريات دوري روشن السعودي إثارة وتقلباً. لم تكن مجرد مباراة في منتصف الجدول، بل كانت معركة تكتيكية ونفسية طغى عليها طابع "الريمونتادا" والدراما المتأخرة، لتنتهي بـ تعادل مثير بنتيجة 2-2، تقاسم فيه الفريقان النقاط، لكنهما تركا خلفهما قصة كروية ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير طويلاً.
أجواء ما قبل الصدام: طموح "كارينيو" وعناد "سومديكا"
دخل الأخدود اللقاء تحت قيادة مدربه الروماني الخبير ماريوس سومديكا، ساعياً لاستغلال عاملي الأرض والجمهور للهروب من مناطق الخطر، بينما وقف في الطرف المقابل "الثعلب" الأوروجوياني خوسي كارينيو، مدرب الرياض، الذي يعرف جيداً كيف يدير مباريات النقاط الثمينة. كانت الأجواء في مدرجات نجران تشي بلقاء متكافئ، فالفريقان يتقاربان في الترتيب، وكل نقطة في هذا المنعطف من الدوري تزن ذهباً. صافرة الحكم عبدالصمد بكري أعلنت البداية، ومعها بدأت فصول رواية لم يتوقع أكثر المتفائلين أن تسير بهذا السيناريو الجنوني.
الشوط الأول: لدغة "توزي" المبكرة
بدأت المباراة بحذر دفاعي متبادل، وظهر التوتر جلياً من خلال التدخلات القوية التي أجبرت الحكم على إشهار البطاقة الصفراء مبكراً لمحمد الخيبري من الرياض في الدقيقة الثامنة. ومع استمرار المناورات في وسط الملعب، نجح الرياض في خطف الأسبقية في الدقيقة 26؛ حيث أرسل اسماعيلا سورو تمريرة دقيقة وضعت البرتغالي توزي في مواجهة المرمى، ليضعها الأخير ببراعة في الشباك معلناً الهدف الأول. حاول الأخدود العودة سريعاً، لكن العصبية سيطرت على لاعبيه، فنال سعيد الربيعي وبيتروس بطاقات صفراء، لينتهي الشوط الأول بتقدم الضيوف بهدف نظيف، وسط أجواء من الترقب لما سيحدث في النصف الثاني.
المنعطف الخطير: طرد "نجووين" وانتفاضة الأخدود
مع انطلاقة الشوط الثاني، تلقى الأخدود ضربة موجعة كادت أن تنهي آماله تماماً؛ ففي الدقيقة 47، أشهر الحكم البطاقة الحمراء في وجه اللاعب توكماك نجووين بعد نيله الإنذار الثاني. ظن الجميع أن الرياض سيهيمن على اللقاء مستغلاً النقص العددي، لكن ما حدث كان العكس تماماً. انتفض رجال سومديكا بروح قتالية مذهلة، وفرضوا سيطرة مطلقة على مجريات اللعب، حيث وصلت نسبة استحواذهم إلى 71% رغم النقص العددي، في مشهد ينم عن شجاعة تكتيكية نادرة.
وفي الدقيقة 62، ترجم المدافع الهداف سعيد الربيعي هذه السيطرة إلى هدف التعادل، مستفيداً من تمريرة حاسمة لزميله صالح آل عباس، ليرسل الكرة إلى الشباك مشعلاً مدرجات نجران. استمر الضغط "الأخدودي" الكاسح وسط تراجع غير مبرر من لاعبي الرياض، وقبل نهاية الوقت الأصلي بأربع دقائق، وتحديداً في الدقيقة 86، عاد سعيد الربيعي ليتقمص دور البطولة المطلقة، مسجلاً هدفه الشخصي الثاني وهدف التقدم للأخدود بعد تمريرة من سباستيان بيدروزا. كانت الفرحة عارمة، والجميع استعد للاحتفال بفوز إعجازي بعشرة لاعبين.
السيناريو القاتل: صدمة الدقيقة 96
لم تكن الدراما قد انتهت بعد؛ فبينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة وفي الدقيقة السادسة من الوقت بدل الضائع (90+6)، استغل البديل سلطان هارون هفوة دفاعية قاتلة، ومن تمريرة متقنة لزميله مامادو سيلا ديالو، نجح في تسجيل هدف التعادل القاتل للرياض. ساد صمت رهيب في الملعب، وسط حسرة كبيرة من لاعبي الأخدود الذين بذلوا مجهوداً خرافياً طوال الشوط الثاني، بينما احتفل لاعبو كارينيو بنقطة ثمينة انتزعوها من أنياب الأسد في الرمق الأخير.
التحليل التكتيكي: شجاعة سومديكا وتبديلات كارينيو
قدم الأخدود درساً في كيفية التعامل مع النقص العددي؛ فإحصائياً، سدد الفريق 6 كرات ومرر 235 تمريرة بدقة وصلت إلى 87%، وهو رقم مذهل لفريق يلعب بعشرة لاعبين. التبديلات التي أجراها سومديكا، بدخول علي عايش السالم وعبد العزيز الهتيله، حافظت على توازن الفريق هجومياً. في المقابل، يُحسب لكارينيو قدرته على قراءة اللعب في الدقائق الأخيرة، حيث كان لدخول سلطان هارون في الدقيقة 79 الأثر الأكبر في تغيير النتيجة، ليثبت أن دكة البدلاء هي مفتاح النجاة في المباريات المعقدة.
الخاتمة: تعادل بطعم الخسارة للجميع
بهذه النتيجة، رفع الرياض رصيده إلى 10 نقاط في المركز السادس عشر، بينما ظل الأخدود خلفه مباشرة برصيد 9 نقاط في المركز السابع عشر. ورغم أن التعادل قد يبدو عادلاً قياساً بالأهداف، إلا أنه ترك مرارة في حلق الأخدود الذي كان قاب قوسين أو أدنى من فوز تاريخي، بينما خرج الرياض بدرس قاسٍ حول ضرورة الحذر من المنافس الجريح. لقد كانت ليلة كروية جسدت كل معاني الإثارة في دوري روشن السعودي، وأكدت أن كرة القدم لا تعترف بالنقص العددي بقدر ما تعترف بالروح والقتالية حتى آخر ثانية.


