تعادل بطعم الإثارة.. روجير مارتينيز ينقذ التعاون من فخ الحزم في ليلة بريدة الصاخبة
في ليلة كروية حبست الأنفاس حتى رمقها الأخير، احتضن ملعب نادي التعاون في بريدة فصلاً جديداً من فصول المتعة في دوري روشن السعودي. لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول الدوري، بل كانت ملحمة تكتيكية وصراعاً بدنياً شرساً انتهى باقتسام النقاط بعد تعادل مثير بنتيجة 2-2. وبين طموحات "سكري القصيم" في تعزيز موقعه في المربع الذهبي، وإصرار "حزم الصمود" على الهروب من مناطق الخطر، عاشت الجماهير تفاصيل قصة لم تكتمل فصولها إلا مع صافرة الحكم علي القحطاني النهائية.
هدوء ما قبل العاصفة وصراع العقول
دخل الفريقان أرض الملعب وسط أجواء مشحونة بالتوقعات؛ فالتعاون بقيادة مدربه المحنك بريكليس تشاموسكا كان يسعى لاستغلال عاملي الأرض والجمهور لفرض أسلوبه الهجومي المعتاد. وفي المقابل، رسم المدرب التونسي جلال قادري خطة محكمة تعتمد على غلق المساحات والارتداد السريع، مدركاً أن مواجهة التعاون في معقله تتطلب صبراً وجلداً. بدأت المباراة بحذر متبادل، حيث انحصر اللعب في وسط الميدان لدقائق، قبل أن يبدأ أصحاب الأرض في فك شفرات دفاع الحزم عبر تحركات كريستوفر زامبراونا المزعجة في الرواق الأيمن.
الشوط الأول: روجير مارتينيز يفتتح السيمفونية
بعد مرور عشرين دقيقة من الضغط التعاوني المستمر، جاءت اللحظة التي انتظرها المدرج الأصفر. ففي الدقيقة 23، وبلمحة فنية رائعة، أرسل كريستوفر زامبراونا تمريرة حاسمة وضعت المهاجم روجير مارتينيز في مواجهة مباشرة مع المرمى. لم يتوانَ مارتينيز في إيداع الكرة الشباك، معلناً عن الهدف الأول للتعاون، وهو الهدف الذي أشعل المدرجات ومنح فريقه ثقة كبيرة. سيطر التعاون على ما تبقى من الشوط الأول بنسبة استحواذ وصلت إلى 55%، محاولاً تعزيز النتيجة، بينما اكتفى الحزم بالدفاع المنظم بانتظار فرصة سانحة للرد، لينتهي الشوط الأول بتقدم مستحق للتعاون.
الشوط الثاني: إعصار الحزم يقلب الطاولة
مع بداية الشوط الثاني، تغيرت الملامح تماماً؛ فالحزم الذي بدا هادئاً في الشوط الأول، كشر عن أنيابه مبكراً. لم تمضِ سوى أربع دقائق حتى استطاع فابيو مارتينيز تعديل الكفة في الدقيقة 49 بعد تمريرة ذكية من سعود الراشد، وسط ذهول مدافعي التعاون. هذا الهدف أعطى الحزم دفعة معنوية هائلة، بينما ظهر الارتباك على لاعبي تشاموسكا، مما أدى لحصول مشعل يوسف العلائلي على بطاقة صفراء في الدقيقة 52.
ولم يتوقف طموح الضيوف عند التعادل، بل واصلوا زحفهم الهجومي، وفي الدقيقة 55، لعب فابيو مارتينيز دور صانع الألعاب هذه المرة، مهدياً كرة ذهبية لزميله يوسف الشمري الذي لم يخطئ المرمى، محرزاً الهدف الثاني للحزم. في ظرف ست دقائق فقط، تحولت النتيجة من تقدم للتعاون إلى تأخر بهدفين مقابل هدف، مما جعل المباراة تشتعل إثارة وندية. وزادت حدة التوتر في الملعب، مما دفع الحكم لإشهار البطاقة الصفراء في وجه لاعب الحزم سعود الراشد في الدقيقة 58.
تبديلات تكتيكية وصراع الدقائق الأخيرة
شعر تشاموسكا بخطورة الموقف، فبدأ في إجراء تغييرات جذرية لتنشيط فريقه. سحب مشعل العلائلي وأشرك بسام محمد الحريجي في الدقيقة 59، ثم أتبعها بسلسلة تبديلات في الدقيقة 70 و71 بدخول محمد القحطاني، عبد الفتاح آدم، وعبدالإله هوساوي، بدلاً من محمد الكويكبي، فيكتور هوجو، وكريستوفر زامبراونا. هذه التغييرات رفعت من وتيرة الهجوم التعاوني بشكل ملحوظ.
في المقابل، حاول جلال قادري تأمين دفاعاته والحفاظ على التقدم، فأجرى تبديلات دفاعية بدخول محمد عيسى اليامي بدلاً من ابو بكر باه في الدقيقة 74، ثم دفع بـ عبد العزيز الدويهي ونواف الحبشي بدلاً من نجمي الفريق فابيو مارتينيز ويوسف الشمري في الدقيقة 79 لتجديد دماء الفريق في المناطق الخلفية والوسطى.
مارتينيز المنقذ.. والعدالة الكروية
بينما كانت المباراة تلفظ أنفاسها الأخيرة والحزم يقترب من خطف نقاط المباراة كاملة، ظهر روجير مارتينيز مرة أخرى ليكون بطل الليلة الأول. في الدقيقة 85، استغل مارتينيز هفوة دفاعية بسيطة ليطلق قذيفة سكنت شباك الحزم، معيداً المباراة إلى نقطة الصفر ومنقذاً فريقه من خسارة محققة. حاول الحزم استعادة التقدم في الوقت بدل الضائع، وأجرى تبديلاً أخيراً بدخول عبد الرحمن الخيبري بدلاً من ميجيل كارفاليو في الدقيقة 90+1، لكن صلابة الدفاع التعاوني حالت دون ذلك.
تحليل الأرقام وتأثير النتيجة
رغم تفوق التعاون في الاستحواذ بنسبة 55%، إلا أن لغة الأرقام كشفت عن فاعلية هجومية أكبر للحزم؛ حيث سدد الضيوف 10 تسديدات منها 6 على المرمى، مقابل 5 تسديدات فقط للتعاون منها 4 على المرمى. كما أظهرت الإحصائيات تفوق الحزم في الجوانب الدفاعية بـ 26 تشتيتاً للكرة مقابل 15 للتعاون، مما يعكس الضغط الكبير الذي مارسه أصحاب الأرض في الدقائق الأخيرة.
بهذا التعادل، رفع التعاون رصيده إلى 35 نقطة ليحافظ على مركزه الرابع في جدول الترتيب، مواصلاً مطاردة فرق الصدارة، بينما حصد الحزم نقطة ثمينة رفعت رصيده إلى 17 نقطة في المركز الحادي عشر. كانت المباراة تجسيداً حقيقياً لروح التنافس في الدوري السعودي، حيث لا تكتمل القصة إلا مع الصافرة الأخيرة، وحيث يظل الإصرار هو المفتاح الوحيد للعودة في النتيجة.


