ليلة النصر في أعالي أبها.. "العالمي" يروض "فارس الجنوب" ببراعة الأبطال
تحت أضواء استاد مدينة الأمير سلطان بن عبدالعزيز الرياضية في أبها، حيث تلامس الغيوم قمم الجبال، حُبست الأنفاس في ليلة كروية لم تكن مجرد مباراة عادية في دوري روشن السعودي، بل كانت فصلاً من فصول الإثارة والتحدي. بين طموح "فارس الجنوب" نادي ضمك في إثبات الذات، ورغبة "العالمي" نادي النصر في مواصلة زحفه نحو القمة، دارت رحى معركة تكتيكية انتهت بفوز نصراوي ثمين بنتيجة هدفين مقابل هدف واحد، في لقاء شهد تقلبات درامية جعلت الجماهير تترقب الصافرة النهائية بفارغ الصبر.
بداية عاصفة وصدمة مبكرة
لم يمهل النصر مضيفه الكثير من الوقت لترتيب أوراقه؛ فمع إطلاق الحكم عبدالله الخربوش صافرة البداية، كشر الضيوف عن أنيابهم مبكراً. وفي الدقيقة الخامسة فقط، ومن هجمة منظمة عكست الرؤية الفنية للمدرب خورخي خيسوس، نجح المتألق عبد الرحمن غريب في هز الشباك، معلناً عن الهدف الأول الذي أشعل مدرجات "المحالة" وأربك حسابات مدرب ضمك أرماندو ايفانجليستا. هذا الهدف المبكر منح النصر الثقة للسيطرة على مجريات اللعب، حيث بلغت نسبة استحواذهم في المجمل 62%، مما أجبر لاعبي ضمك على التراجع للدفاع والاعتماد على المرتدات التي كانت تصطدم بيقظة الدفاع النصراوي.
شهد الشوط الأول صراعاً بدنياً كبيراً في وسط الميدان، حيث حاول ضمك العودة في النتيجة عبر تحركات عبدالله القحطاني، لكن التنظيم الدفاعي للنصر حال دون وصول أصحاب الأرض لمرمى "العالمي". ومع انتهاء الشوط الأول بتقدم نصراوي بهدف نظيف، كان من الواضح أن المباراة تخبئ في طياتها الكثير من الإثارة في نصفها الثاني.
الأسطورة يظهر وتوهج "فارس الجنوب"
دخل الفريقان الشوط الثاني برغبة متجددة، وأجرى ايفانجليستا تبديلاً مبكراً بخروج سنوسي الهوساوي ودخول عبد الرحمن الخيبري لتعزيز وسط الملعب. لكن في الدقيقة 50، تجلت مهارة الكبار؛ حيث مرر النجم البرتغالي جواو فيليكس كرة سحرية وضعت الأسطورة كريستيانو رونالدو في مواجهة المرمى، ولم يتوانَ "الدون" في إيداعها الشباك ببراعته المعهودة، معززاً تقدم فريقه بالهدف الثاني. في تلك اللحظة، ظن الكثيرون أن المباراة حُسمت إكلينيكياً لصالح النصر.
لكن "فارس الجنوب" رفض الاستسلام؛ فبعد سلسلة من التبديلات التي أجراها ايفانجليستا في الدقيقة 60 بدخول ياكو ميتي ويحيي النجعي، استعاد ضمك توازنه وبدأ في الضغط العالي. وفي الدقيقة 68، ومن ركلة ركنية نفذها عبدالله القحطاني بدقة متناهية، ارتقى المدافع جمال حركاس فوق الجميع ليوجه رأسية قوية سكنت شباك النصر، مقلصاً الفارق ومعيداً الأمل لجماهير ضمك. هذا الهدف غير من رتم المباراة تماماً، حيث تحولت الدقائق المتبقية إلى حصار متبادل وصراع على كل شبر في الملعب.
تكتيك "خيسوس" واللحظات الحرجة
أدرك المدرب خورخي خيسوس خطورة الموقف، فبدأ في إجراء تبديلات تكتيكية تهدف إلى تأمين النتيجة، حيث أخرج كينغسلي كومان وسعد الناصر، ودفع بـ عبدالله الخيبري ونواف بوشال لزيادة الكثافة الدفاعية. ومع اقتراب المباراة من نهايتها، زاد التوتر داخل المستطيل الأخضر، مما دفع الحكم لإشهار البطاقة الصفراء في وجه عبد الرحمن غريب في الدقيقة 80، ثم لزميله أنجيلو في الدقيقة 82 نتيجة التدخلات القوية لإيقاف زحف ضمك.
في الدقائق الخمس الأخيرة، رمى ضمك بكل ثقله الهجومي، بينما لجأ خيسوس لتبديلات "قتل الوقت" وتأمين الخطوط الخلفية بدخول نادر عبدالله الشراري وعلي الحسن بدلاً من أنجيلو وغريب. ورغم المحاولات المستمرة من جانب ضمك، والتي وصلت إلى 8 تسديدات طوال المباراة، إلا أن خبرة لاعبي النصر كانت الحاسمة في الحفاظ على التقدم، لينتهي اللقاء بفوز نصراوي شاق ومستحق.
خاتمة: النصر يواصل المطاردة وضمك يغادر برأس مرفوعة
بهذا الانتصار، رفع النصر رصيده إلى 37 نقطة، محكماً قبضته على المركز الثاني في جدول الترتيب ومواصلاً ضغطه على المتصدر، ليثبت "العالمي" أنه يمتلك الشخصية اللازمة للعودة بالنقاط الثلاث من أصعب الملاعب. في المقابل، تجمد رصيد ضمك عند 11 نقطة في المركز الخامس عشر، لكنه كسب احترام الجميع بأدائه القتالي ورفضه للهزيمة حتى الرمق الأخير. لقد كانت سهرة كروية ممتعة، أثبتت مرة أخرى أن دوري روشن السعودي لا يعترف بالنتائج المسبقة، وأن كل مباراة هي قصة كفاح تُكتب تفاصيلها بعرق اللاعبين وصيحات الجماهير.


