زئير الأسود في "سان ماميس": جوروزيتا يحسم ليلة الدراما والتشويق
تحت أضواء "الكاتدرائية" الخافتة وفي قلب إقليم الباسك النابض بكرة القدم، استعاد ملعب سان ماميس هيبته المعهودة في ليلة لم تكن مجرد مباراة في الدوري الإسباني، بل كانت ملحمة من الصراع البدني والتكتيكي. في مواجهة حبست الأنفاس حتى الثواني الأخيرة، نجح أتلتيك بيلباو في انتزاع فوز ثمين وصعب على ضيفه العنيد أوساسونا بهدف نظيف، في لقاء شهد كل فنون الإثارة؛ من أهداف مبكرة، إلى ركلات جزاء ضائعة، وصولاً إلى البطاقات الحمراء التي أشعلت المدرجات في الدقائق المجنونة.
بداية حذرة وصراع مبكر
دخل الفريقان أرض الملعب وسط أهازيج الجماهير التي لم تتوقف عن الهتاف، وكان من الواضح أن المدرب ارنيستو فالفيردي قد رسم خطة هجومية ضاغطة منذ اللحظة الأولى. لم يكد الحكم فيكتور جارسيا فيردورا يطلق صافرة البداية حتى بدأت الملامح القتالية للمباراة تظهر، ففي الدقيقة الخامسة توقف اللعب لمراجعة تقنية الفيديو (VAR) في لقطة أثارت ريبة الجماهير، لكن القرار جاء باستمرار اللعب. هذا التوتر المبكر انعكس على أداء اللاعبين، حيث نال الشاب مايكل جاوريجزار بطاقة صفراء في الدقيقة العاشرة نتيجة تدخل قوي، وهي البطاقة التي سيكون لها أثر درامي كبير في نهاية السهرة.
ولكن، وسط هذا الصخب، كان القناص جوركا جوروزيتا يتحين الفرصة للانقضاض. وفي الدقيقة السادسة عشرة، ومن هجمة منظمة ضربت دفاعات أوساسونا، نجح جوروزيتا في هز الشباك معلناً عن هدف التقدم لأصحاب الأرض. انفجرت المدرجات فرحاً، وبدا أن "أسود الباسك" في طريقهم لفرض سيطرة مطلقة على مجريات اللقاء، بينما بدا الذهول على وجه مدرب أوساسونا أليسيو ليسكي الذي طالب لاعبيه بمزيد من التركيز والتقدم للأمام.
منعرج المباراة.. ركلة جزاء ضائعة
مع بداية الشوط الثاني، دخل أوساسونا برغبة جامحة لتعديل الأوتار. ضغط الضيوف بقوة، وأجبروا لاعبي بيلباو على التراجع لمناطقهم الدفاعية. وفي الدقيقة 48، تلقى ايمار اروز بطاقة صفراء نتيجة محاولاته المستمرة لتعطيل اللعب، لكن اللحظة الفارقة جاءت في الدقيقة 55 عندما تدخلت تقنية الفيديو مرة أخرى لتمنح أوساسونا فرصة ذهبية للعودة. احتسب الحكم ركلة جزاء بعد مراجعة دقيقة، وانبرى لها المهاجم الخبير أنتي بوديمير في الدقيقة 57.
ساد صمت رهيب في "سان ماميس"، العيون كلها ترقب بوديمير وهو يتقدم للكرة، لكن الضغط النفسي وصمود العرين الباسكي كانا أقوى؛ حيث أضاع بوديمير ركلة الجزاء، لترتد الحسرة على وجوه لاعبي أوساسونا، بينما تنفس فالفيردي الصعداء وهو يرى فريقه يحافظ على تقدمه الهش بفضل هذه اللحظة الدرامية.
ثورة التبديلات وصراع الأمتار الأخيرة
أدرك فالفيردي أن فريقه بدأ يفقد السيطرة على وسط الملعب، فقرر في الدقيقة 65 إجراء تغييرات جذرية بـ تبديل ثلاثي دفعة واحدة؛ حيث غادر كل من اليكس بيرنجوير، ريوز دي جاليريتا، والنجم نيكو ويليامز، ليدفع بـ اويهان سانكيت، اليخاندرو ريجو، وروبرت نافارو. كانت هذه الخطوة تهدف لضخ دماء جديدة قادرة على امتصاص حماس أوساسونا المتزايد.
في المقابل، لم يقف أليسيو ليسكي مكتوف الأيدي، فقام بسلسلة تبديلات هجومية في الدقائق 71 و78 و84، مدخلاً راؤول مورو وإيكير مونوز وكيكي بارخا، ثم راؤول جارسيا دى هارو وموي جوميس، في محاولة أخيرة لكسر الحصون الدفاعية التي قادها ببراعة أيميريك لابورتي قبل خروجه بدلاً من دانيال فيفيان. المباراة تحولت في دقائقها الأخيرة إلى معركة بدنية طاحنة، حيث استبسل يوري بيرشتش قبل استبداله بأداما بويرو لتأمين الرواق الأيسر.
الدقائق المجنونة والبطاقة الحمراء
لم تنتهِ الإثارة عند هذا الحد، بل بلغت ذروتها في الوقت المحتسب بدلاً من الضائع. ففي الدقيقة 90+1، ارتكب مايكل جاوريجزار خطأً فادحاً كلفه البطاقة الصفراء الثانية ثم الحمراء، ليترك فريقه يصارع بعشرة لاعبين في أصعب لحظات المباراة. توترت الأعصاب بشكل كبير، وتدخل الحكم لفض الاشتباكات اللفظية، مما أدى لمنح بطاقة صفراء لـ إينياكي ويليامز في الدقيقة 90+7، وأخرى لـ موي جوميس من جانب أوساسونا في الدقيقة 90+8.
رغم النقص العددي والضغط الهائل من أوساسونا، صمد دفاع أتلتيك بيلباو كالجبل، وسط مؤازرة جماهيرية زلزلت أركان الملعب، حتى أطلق الحكم صافرة النهاية معلناً فوزاً ملحمياً لأصحاب الأرض.
التحليل الختامي وأهمية النتيجة
كانت المباراة تجسيداً للصراع التكتيكي بين فالفيردي وليسكي؛ حيث نجح الأول في استغلال الفرصة المبكرة ثم إدارة المباراة عبر تبديلات ذكية حافظت على التوازن البدني، بينما دفع الثاني ثمن إضاعة ركلة الجزاء التي كانت كفيلة بتغيير مجرى التاريخ في هذه الليلة. تشير الإحصائيات إلى تقارب كبير في الاستحواذ، لكن الفعالية الهجومية كانت تميل للأسود الذين عرفوا من أين تؤكل الكتف.
بهذا الانتصار، رفع أتلتيك بيلباو رصيده إلى 41 نقطة ليقفز إلى المركز التاسع في جدول ترتيب الدوري الإسباني، معززاً آماله في المنافسة على المقاعد الأوروبية. أما أوساسونا، فقد تجمد رصيده عند 39 نقطة في المركز العاشر، ليبقى في منطقة الأمان ولكن مع شعور بالندم على ضياع نقطة كانت في المتناول. لقد أثبت "سان ماميس" مرة أخرى أنه مقبرة للخصوم، وأن روح القتال الباسكية لا تنطفئ مهما بلغت شدة الرياح.

