ملحمة العاصمة: مولودية الجزائر تروض طموح نجم بن عكنون في ليلة حبست الأنفاس
في أمسية كروية لم تكن مجرد مباراة عابرة في جدول الدوري الجزائري، احتضنت أرضية الملعب فصلاً جديداً من فصول الإثارة والتشويق، حيث التقى الرائد "مولودية الجزائر" مع طموح "نجم بن عكنون" في مواجهة أوفت بكل وعودها. لم تكن النقاط الثلاث هي الهدف الوحيد فوق العشب الأخضر، بل كانت معركة لإثبات الذات بين فريق يسعى لتثبيت أقدامه في القمة، وآخر يطمح لعرقلة الكبار وكتابة اسمه بأحرف من ذهب في سجلات هذا الموسم الاستثنائي. انتهت المباراة بفوز مثير للمولودية بنتيجة 3-2، في مباراة ستبقى طويلاً في ذاكرة عشاق الساحرة المستديرة.
أجواء ما قبل الصافرة: صراع القمة والوسط
دخل الفريقان أرضية الملعب وسط أجواء مشحونة بالحماس؛ فمولودية الجزائر، المتصدر الذي يغرد وحيداً برصيد 56 نقطة، جاء وعينه على تعزيز صدارته وتوسيع الفارق مع ملاحقيه، مستنداً إلى سجل مرعب بـ 17 انتصاراً. في المقابل، كان نجم بن عكنون، القابع في المركز السابع برصيد 38 نقطة، يخطط لمفاجأة مدوية مستغلاً عاملي الأرض والجمهور، وهو الفريق الذي أثبت في جولاته الأخيرة أنه رقم صعب لا يمكن الاستهانة به، خاصة وأنه حقق نتائج إيجابية في مبارياته الخمس الأخيرة التي تنوعت بين الفوز والتعادل.
كانت المدرجات تهتز بالأهازيج، والضغط النفسي بدا واضحاً على وجوه اللاعبين منذ لحظة الإحماء. التوقعات كانت تشير إلى مباراة دفاعية من جانب بن عكنون، لكن الواقع فوق الميدان جاء مغايراً تماماً، حيث كشر أصحاب الأرض عن أنيابهم منذ اللحظات الأولى، معلنين أنهم لن يكونوا لقمة صائغة لمتصدر الدوري.
الشوط الأول: صدمة البدايات ورد الفعل
انطلقت المباراة بصافرة الحكم وسط حذر تكتيكي لم يدم طويلاً. لم تمر سوى دقائق معدودة حتى اشتعلت المدرجات؛ حيث نجح نجم بن عكنون في مباغتة "العميد" بهدف مبكر جاء نتيجة ضغط عالٍ وارتباك في الخطوط الخلفية للمتصدر. هذا الهدف قلب الطاولة على حسابات الضيوف، وأجبر لاعبي المولودية على الخروج من مناطقهم بحثاً عن التعادل. الهدف الأول لنجم بن عكنون جاء في توقيت مثالي، مما منحهم ثقة كبيرة في تسيير رتم اللعب.
استمرت المحاولات من الجانبين، وبينما كان الجميع ينتظر صافرة نهاية الشوط الأول، استطاع هجوم مولودية الجزائر فك الشفرة الدفاعية لأصحاب الأرض. وبفضل تحركات ذكية في عمق الملعب، تمكن الضيوف من تسجيل هدف التعادل، ليعيد المباراة إلى نقطة الصفر. انتهى الشوط الأول بنتيجة التعادل، لكنه ترك انطباعاً بأن الشوط الثاني سيحمل عاصفة من الأهداف، وهو ما حدث بالفعل.
الشوط الثاني: جنون الكرة وإثارة اللحظات الأخيرة
مع انطلاق الشوط الثاني، ارتفع النسق بشكل مذهل. بدا واضحاً أن مدرب مولودية الجزائر ألقى بكل ثقله في الهجوم، مستغلاً القوة الهجومية التي سجلت 35 هدفاً طوال الموسم. وفي غضون دقائق، نجح الضيوف في تسجيل الهدف الثاني، ليقلبوا تأخرهم إلى تقدم وسط ذهول لاعبي بن عكنون. لكن الرد لم يتأخر كثيراً؛ فبروح قتالية عالية، استغل أصحاب الأرض كرة ثابتة ليودعوها الشباك معلنين عن هدف التعادل الثاني، لتصبح النتيجة 2-2 وتشتعل المباراة من جديد.
في الربع الأخير من المباراة، بدأت تظهر فوارق الخبرة واللياقة البدنية. كانت البطاقات الصفراء حاضرة للحد من خطورة الهجمات المرتدة، حيث اضطر الحكم لإشهار اللون الأصفر في وجه لاعبي الفريقين لتهدئة الأجواء المشحونة. وفي اللحظات الحاسمة، ومن هجمة منظمة بدأت من وسط الملعب، استطاع مهاجم مولودية الجزائر اقتناص الهدف الثالث والقاتل، وهو الهدف الذي نزل كالصاعقة على جماهير نجم بن عكنون، ليمنح فريقه أغلى ثلاث نقاط في مشوار اللقب.
التحليل الفني: كيف حُسمت المعركة؟
شكلت التبديلات نقطة التحول الرئيسية في المباراة؛ حيث دفع مدرب المولودية بعناصر شابة في خط الوسط لزيادة الحيوية والقدرة على استعادة الكرة بسرعة. الإحصائيات تشير إلى أن المولودية اعتمدت على الاستحواذ الإيجابي، بينما كان نجم بن عكنون خطيراً جداً في الكرات الطويلة والالتحامات البدنية. البطاقات الملونة لعبت دوراً في كبح جماح بعض اللاعبين، مما قلل من الاندفاع البدني المفرط في الدقائق الأخيرة.
دفاعياً، عانى الفريقان؛ فاستقبال مولودية الجزائر لهدفين في مباراة واحدة يعد مؤشراً يحتاج للدراسة، خاصة وأنهم استقبلوا 15 هدفاً فقط طوال 26 مباراة سابقة. أما نجم بن عكنون، فقد أثبت أن مركزه السابع لا يعكس تماماً حجم الإمكانيات الهجومية التي يمتلكها، حيث وصلوا لمرمى المتصدر في أكثر من مناسبة بجرأة يحسدون عليها.
الخاتمة: خطوة عملاقة نحو منصة التتويج
بهذه النتيجة، رفع مولودية الجزائر رصيده إلى 59 نقطة، ليقترب أكثر من أي وقت مضى من حسم لقب الدوري الجزائري، مؤكداً علو كعبه وقدرته على العودة في النتيجة حتى في أصعب الظروف. أما نجم بن عكنون، فرغم الخسارة، فقد كسب احترام الجميع بأدائه البطولي، وبقي في مركزه السابع برصيد 38 نقطة، مع دروس مستفادة ستفيده حتماً في مواجهاته القادمة.
خرجت جماهير المولودية تحتفل في الشوارع، مدركة أن هذا الفوز الصعب هو "فوز البطولة"، بينما غادر لاعبو بن عكنون الميدان برؤوس مرفوعة، بعد أن قدموا واحدة من أجمل مباريات الموسم، مذكرين الجميع بأن كرة القدم لا تعترف بالترتيب، بل بالعطاء والجهد حتى آخر ثانية من عمر اللقاء.


