ثلاثية ميسي الساحرة تضيء ليلة "أروهيد" وتقود الأرجنتين لتجاوز عقبة المحاربين
تحت أضواء ملعب أروهيد المتلألئة، وفي ليلة مونديالية حبست أنفاس الملايين، رسم المنتخب الأرجنتيني لوحة كروية عنوانها الإبداع المطلق، بطلها الأوحد هو الأسطورة ليونيل ميسي. في مواجهة جمعت بين طموح "محاربي الصحراء" وعراقة "راقصي التانغو" ضمن منافسات دور المجموعات لكأس العالم 2026، نجح رفاق المدرب ليونيل سكالوني في حسم الموقعة بثلاثية نظيفة، في مباراة لم تكن مجرد أرقام، بل كانت قصة صمود جزائري اصطدم بعبقرية أرجنتينية لا تعرف الحدود.
بداية عاصفة وصدمة الـ "VAR" المبكرة
انطلقت المباراة بصافرة الحكم البولندي الخبير سيمون مارسينياك، وسط أجواء جماهيرية صاخبة غطت جنبات الملعب. لم ينتظر المنتخب الجزائري طويلاً ليدخل في صلب الموضوع، حيث فاجأ فارس شعيبي الجميع بهدف مبكر في الدقيقة الثامنة، اهتزت له المدرجات الجزائرية فرحاً. لكن هذا الفرح لم يدم سوى لحظات، إذ تدخلت تقنية الفيديو (VAR) لتلغي الهدف وتُعيد المباراة إلى نقطة الصفر، في لحظة كانت بمثابة نقطة التحول النفسي للمباراة، حيث استشعر الأرجنتينيون الخطر وبدأوا في إحكام قبضتهم على وسط الميدان.
اعتمد المدرب فلاديمير بيتكوفيتش على تنظيم دفاعي محكم ومحاولة استغلال المرتدات، إلا أن الاستحواذ الأرجنتيني الذي وصل إلى 60% جعل المهمة شاقة على زملاء نبيل بن طالب. وفي الدقيقة السابعة عشرة، تجلى سحر "البرغوث"؛ تمريرة حاسمة ومتقنة من رودريجو دي بول كشفت الدفاع الجزائري، ليستلمها ليونيل ميسي ويودعها الشباك معلناً عن الهدف الأول، وهو الهدف الذي أطلق شرارة الإبداع في صفوف الألبيسيليستي.
صراع التكتيك في ممرات الملعب
مع بداية الشوط الثاني، أجرى سكالوني تبديله الأول بدخول ناهويل مولينا بدلاً من غونزالو مونتييل لزيادة الحيوية في الرواق الأيمن. ومع مرور الوقت، بدأ الضغط الأرجنتيني يتزايد، وسط محاولات جزائرية بائسة للوصول إلى مرمى مارتينيز، إلا أن الإحصائيات كانت قاسية على المحاربين، حيث انتهت المباراة دون أي تسديدة جزائرية على المرمى، رغم وصول دقة تمريراتهم إلى 95.71%، وهو ما يعكس السيطرة الدفاعية المحكمة للثنائي كريستيان روميرو ونيكولاس أوتامندي الذي دخل بدلاً منه في وقت لاحق.
في الدقيقة الستين، عاد ليونيل ميسي ليؤكد أنه لا يزال ملك هذه اللعبة، حيث استغل هفوة دفاعية بسيطة ليضاعف النتيجة بالهدف الثاني، محبطاً آمال الجزائريين في العودة. هذا الهدف دفع بيتكوفيتش لإجراء تغييرات جذرية في الدقيقة 64، حيث دفع بكل من رياض محرز، وحسام عوار، ومحمد الأمين عمورة، في محاولة يائسة لتنشيط الهجوم وتغيير واقع المباراة المرير.
ليلة الهاتريك التاريخية
لم تتوقف الماكينة الأرجنتينية عن الدوران، ففي الدقيقة 76، وبصناعة مميزة من البديل نيكولاس جونزاليز، وقع ليونيل ميسي على "الهاتريك" الشخصي له والهدف الثالث لمنتخب بلاده، وسط تصفيق حار حتى من بعض الجماهير المحايدة التي لم تملك إلا الإعجاب بما يقدمه هذا اللاعب. كانت تلك اللحظة هي الإعلان الرسمي عن نهاية المباراة إكلينيكياً، حيث بدأ سكالوني في سحب أوراقه الرابحة لإراحتها، فخرج ميسي في الدقيقة 80 تاركاً مكانه للشاب نيكو باز، وسط عاصفة من التصفيق هزت أركان ملعب أروهيد.
وعلى الجانب الآخر، حاول المنتخب الجزائري حفظ ماء الوجه في الدقائق الأخيرة من خلال دخول عادل بولبينة ورامز زروقي، لكن التنظيم الأرجنتيني ظل صامداً كالجرانيت. المباراة تميزت برقي فني كبير، حيث لم يشهر الحكم سيمون مارسينياك أي بطاقة صفراء أو حمراء طوال الـ 97 دقيقة، مما يدل على الالتزام التكتيكي والروح الرياضية العالية التي سادت اللقاء رغم قوة المنافسة.
خاتمة: الأرجنتين تعلن عن هويتها البطلة
بهذه النتيجة، رفعت الأرجنتين رصيدها إلى 3 نقاط في صدارة المجموعة، مرسلة رسالة شديدة اللهجة لجميع المنافسين بأن حامل اللقب لا يزال يمتلك الأنياب الكافية للاحتفاظ بتاجه. أما المنتخب الجزائري، فرغم الخسارة القاسية بثلاثية، إلا أن نسبة نجاح التمريرات العالية التي حققها والندية التي أظهرها في بعض فترات اللقاء تعطي مؤشرات على إمكانية التعويض في المباريات القادمة، شرط إيجاد الحلول الهجومية الغائبة.
لقد كانت ليلة للذاكرة، برهن فيها ليونيل ميسي أن العمر مجرد رقم، وأن المونديال هو مسرحه المفضل، بينما خرجت الجزائر بدرس قاسٍ حول كيفية التعامل مع التفاصيل الصغيرة أمام الكبار في المحافل العالمية الكبرى.

