زئير "النسور" يزلزل الهضاب.. وفاق سطيف يستعيد كبرياءه بثلاثية في مرمى "الحمراوة"
في أمسية كروية لم تكن مجرد مباراة عادية ضمن منافسات الدوري الجزائري، احتضنت أرضية الملعب صراعاً ملحمياً أعاد للأذهان ذكريات الزمن الجميل للكرة الجزائرية. دخل وفاق سطيف المواجهة وهو يدرك تماماً أن التاريخ لا يعترف إلا بالنتائج، وأن جماهيره الوفية التي ملأت المدرجات لن تقبل بأقل من استعادة الهيبة. في المقابل، وصل "الحمراوة" – فريق مولودية وهران – وهم يحملون طموحات كبيرة لتعزيز موقعهم في المربع الذهبي، لكنهم اصطدموا بإعصار أسود وأبيض لم يبقِ ولم يذر، لينتهي اللقاء بفوز عريض ومستحق للوفاق بثلاثية نظيفة هزت أركان الدوري.
أجواء ما قبل المعركة: صراع الطموح والكبرياء
قبل صافرة البداية، كانت الأجواء في مدينة سطيف تشير إلى أننا أمام ليلة استثنائية. الجماهير السطايفية، المعروفة بشغفها المنقطع النظير، رسمت لوحات فنية في المدرجات، محولةً الملعب إلى قطعة من الجحيم الرياضي للمنافسين. كانت التوقعات تمنح أفضلية نسبية لمولودية وهران نظراً لترتيبهم المتقدم في المركز الخامس وسلسلة انتصاراتهم الأخيرة، بينما كان الوفاق يعاني في المركز العاشر باحثاً عن طوق نجاة يعيده إلى المسار الصحيح. هذا التباين في المراكز لم يزد لاعبي السطيف إلا إصراراً على إثبات أن "النسور" قد تمرض لكنها لا تموت أبداً.
الشوط الأول: جس نبض وانفجار بركاني
بدأت المباراة بإيقاع سريع، حيث لم يمنح أصحاب الأرض ضيوفهم فرصة لالتقاط الأنفاس. اعتمد وفاق سطيف على الضغط العالي في مناطق الخصم، مما أجبر لاعبي المولودية على ارتكاب أخطاء في التمرير. ومع مرور الدقائق، بدأت ملامح الخطورة تظهر عبر الأطراف، حيث شنت "النسور السوداء" هجمات منسقة اتسمت بالسرعة والدقة. وفي لحظة تجلى فيها الإبداع التكتيكي، نجح هجوم الوفاق في فك شفرة الدفاع الوهراني وتسجيل الهدف الأول الذي فجر بركان الفرحة في المدرجات. هذا الهدف لم يكن مجرد تقدم رقمي، بل كان بمثابة إعلان سيطرة مطلقة، حيث ظهر الارتباك واضحاً على ملامح لاعبي مولودية وهران الذين حاولوا العودة في النتيجة، لكن دفاع الوفاق كان سداً منيعاً أمام كل المحاولات.
الشوط الثاني: تكريس السيطرة وإطلاق رصاصة الرحمة
مع انطلاق الشوط الثاني، توقع الجميع ردة فعل قوية من "الحمراوة"، إلا أن المدرب السطايفي عرف كيف يدير دفة المباراة بذكاء. وبينما كان الضيوف يبحثون عن ثغرة، باغتهم الوفاق بهجمة مرتدة سريعة كشفت هشاشة الدفاع الوهراني في تلك الليلة، ليتم تعزيز التقدم بـ الهدف الثاني. هذا الهدف نزل كالصاعقة على لاعبي المولودية، الذين بدت عليهم علامات الاستسلام أمام الإعصار السطايفي. ولم تكتفِ "النسور" بالثنائية، بل واصلت التحليق عالياً في سماء المباراة، ومن جملة تكتيكية رائعة، اختتم الفريق مهرجان الأهداف بـ الهدف الثالث، مؤكداً تفوقه الكاسح في واحدة من أفضل مبارياته هذا الموسم.
التحليل التكتيكي: كيف سقطت القلعة الوهرانية؟
بالنظر إلى مجريات اللقاء، نجد أن التبديلات التي أجراها الجهاز الفني لوفاق سطيف لعبت دوراً حاسماً في الحفاظ على ريتم المباراة العالي، حيث ضخت الدماء الجديدة طاقة إضافية في خط الوسط والهجوم. في المقابل، فشلت تبديلات مولودية وهران في إحداث الفارق المطلوب، وبدا الفريق عاجزاً عن اختراق الجدار الدفاعي المنظم للوفاق. الإحصائيات تعكس بوضوح هذا التفوق؛ فبالرغم من تقارب نسب الاستحواذ في بعض الفترات، إلا أن الفعالية الهجومية كانت تميل بوضوح لأصحاب الأرض الذين استغلوا أنصاف الفرص، بينما عانى الضيوف من غياب التركيز في اللمسة الأخيرة، وهو ما يفسر تلقيهم الخسارة الثامنة لهم في الموسم.
الخاتمة: عودة الروح وترتيب الأوراق
صافرة النهاية أطلقت العنان لاحتفالات هستيرية في مدينة سطيف، فهذا الفوز ليس مجرد ثلاث نقاط تضاف للرصيد، بل هو رسالة شديدة اللهجة لكل المنافسين بأن الوفاق قادر على العودة في أي وقت. بهذا الانتصار، رفع وفاق سطيف رصيده إلى 30 نقطة، محققاً فوزه السابع في البطولة، والأهم من ذلك أنه استعاد ثقة جماهيره. أما مولودية وهران، فعليهم مراجعة أوراقهم سريعاً، خاصة وأن هذه الهزيمة جمدت رصيدهم عند 42 نقطة في المركز الخامس، مما يجعل صراعهم على المراكز المؤهلة للمسابقات القارية أكثر صعوبة. لقد كانت ليلة سطايفية بامتياز، أثبتت أن الروح القتالية والعزيمة قادرة على قهر الفوارق الفنية والترتيبية.


