دراما اللحظات الأخيرة في "لابوجوار": بريست يسرق نقطة ثمينة من أنياب نانت المنقوص
تحت سماء مدينة نانت الفرنسية، وفي قلب ملعب "ستاد لابوجوار" الذي غصت مدرجاته بجماهير لم تتوقف عن الهتاف، دارت رحى معركة كروية لم تكن مجرد مباراة في الدوري الفرنسي، بل كانت قصة من قصص الصمود والانكسار، والدراما التي لا يكتب فصولها إلا المستطيل الأخضر. في مواجهة حبست الأنفاس حتى الرمق الأخير، افترق فريقا نانت وضيفه ستاد بريست 29 بالتعادل الإيجابي بهدف لكل منهما، في ليلة كان بطلها الأول هو "الوقت القاتل".
بداية عاصفة وزئير "الأناكوندا" المصرية
دخل أصحاب الأرض، تحت قيادة المدرب المخضرم وحيد خليلوزيتش، المباراة وعينهم على النقاط الثلاث للهروب من مناطق الخطر في جدول الترتيب. لم يمضِ الكثير من الوقت حتى اشتعلت المدرجات؛ ففي الدقيقة التاسعة فقط، ومن جملة تكتيكية منظمة، أرسل فرانسيس كوكلين تمريرة حريرية وضعت المهاجم المصري مصطفى محمد في مواجهة الشباك، وبلمسة الهداف البارع، لم يتوانَ "الأناكوندا" في إيداع الكرة المرمى، معلناً عن تقدم "الكناري" بهدف مبكر أشعل الحماس في أرجاء الملعب.
هذا الهدف المبكر أربك حسابات إيريك روى، مدرب ستاد بريست، الذي وقف على خط التماس محاولاً إعادة ترتيب أوراقه. نانت لم يكتفِ بالهدف، بل استمر في ضغطه العالي مستغلاً مؤازرة جماهيره، بينما لجأ لاعبو بريست إلى التدخلات القوية لإيقاف زحف أصحاب الأرض، مما دفع الحكم جليوم باراديس لإشهار البطاقة الصفراء في وجه داوودا جيندو في الدقيقة 41، ثم روماين دي كاستيلو في الدقيقة الأولى من الوقت بدل الضائع للشوط الأول، لينتهي النصف الأول من اللقاء بسيطرة ميدانية واضحة لنانت.
منعطف المباراة.. البطاقة الحمراء التي غيرت كل شيء
مع بداية الشوط الثاني، أجرى خليلوزيتش تبديلاً اضطرارياً بخروج صاحب التمريرة الحاسمة فرانسيس كوكلين ودخول الشاب لويس ليروكس. هذا التغيير لم يقلل من رغبة نانت في التعزيز، لكن الإيقاع بدأ يتغير تدريجياً. وفي الدقيقة 65، وقع ما لم يكن في الحسبان؛ حيث تلقى لاعب نانت دهمين تابيبو عثماني بطاقة حمراء مباشرة، ليترك فريقه يواجه إعصار بريست بعشرة لاعبين فقط لما تبقى من وقت المباراة.
هنا، بدأت الكفة تميل لصالح الضيوف. استشعر إيريك روى الفرصة، فدفع بأوراقه الرابحة، حيث أشرك كيني لالا وحميدو ماكالو بدلاً من جيندو ودينا ابيمبي في الدقيقة 67. نانت، من جانبه، تراجع لتأمين دفاعاته، واضطر خليلوزيتش لسحب مسجل الهدف مصطفى محمد في الدقيقة 77 لإشراك ماتيس أبلين، سعياً لتنشيط المرتدات وتخفيف الضغط عن الخط الخلفي.
صمود الكناري وانفجار بريست في الوقت الضائع
مرت الدقائق ثقيلة على عشاق نانت. بريست استحوذ على الكرة بنسبة وصلت إلى 57%، وحاصر أصحاب الأرض في مناطقهم. وعلى الرغم من أن نانت كان الأكثر محاولة على المرمى بـ 15 تسديدة مقابل تسديدتين فقط لبريست طوال المباراة، إلا أن النجاعة الهجومية غابت في اللحظات الحاسمة. نانت اعتمد على الكرات الثابتة وحصل على 8 ركنيات، لكن النقص العددي كان يستنزف طاقة اللاعبين البدنية والذهنية.
دخلت المباراة في دقائقها الأخيرة، ورفع الحكم الرابع لوحة الوقت بدل الضائع. في الدقيقة 94، تلقى أنتوني لوبيز بطاقة صفراء نتيجة الاحتجاج أو إضاعة الوقت، وسط توتر شديد في المدرجات. وبينما كان الجميع يستعد لإطلاق صافرة النهاية وإعلان فوز نانت الصعب، حدثت الصدمة. في الدقيقة السادسة بعد التسعين، ومن ركلة ركنية أو عرضية يائسة، أرسل روماين دي كاستيلو كرة عرضية متقنة ارتقى لها القائد بريندان شاردونيت، ليوجهها برأسه داخل الشباك، محطماً آمال نانت في الفوز، ومطلقاً صرخات الفرح في معسكر الضيوف.
تحليل تكتيكي: كيف أفلت الفوز من يد خليلوزيتش؟
بالنظر إلى لغة الأرقام، نجد أن نانت قدم واحدة من أفضل مبارياته هجومياً، حيث سدد 3 كرات على المرمى من أصل 15 محاولة، وقام لاعبوه بإرسال 24 عرضية، مما يعكس رغبة هجومية جامحة. في المقابل، كان بريست "اقتصادياً" للغاية؛ إذ لم يسدد سوى كرتين فقط طوال الـ 101 دقيقة، كانت إحداهما هي هدف التعادل القاتل.
التبديلات لعبت دوراً محورياً؛ فبينما كانت تبديلات نانت دفاعية اضطرارية للحفاظ على التقدم بعد طرد عثماني، كانت تبديلات بريست هجومية بحتة، حيث منح دخول باثي مبوب وكيني لالا الحيوية اللازمة لبريست للضغط في الأطراف. نانت عانى من تراجع دقة التمرير التي بلغت 79% مقابل 82.5% لبريست، وهو ما سمح للضيوف بتدوير الكرة بشكل أفضل في الدقائق الأخيرة للبحث عن الثغرة.
الخاتمة: نقطة بطعم الخسارة وصراع البقاء مستمر
بهذه النتيجة، رفع بريست رصيده إلى 37 نقطة مستقراً في المركز الثاني عشر، ليؤكد قدرته على العودة في أصعب الظروف. أما نانت، فقد كانت هذه النقطة بمثابة "العلقم"؛ إذ ظل الفريق في المركز السابع عشر برصيد 20 نقطة، وهو موقع لا يليق بتاريخ "الكناري" ويضعه في موقف لا يحسد عليه في صراع الهبوط.
غادرت الجماهير ملعب لابوجوار وهي في حالة من الصمت والذهول، فالمباراة التي كانت في قبضة أيديهم ضاعت في لمحة بصر. لقد أثبتت هذه المواجهة مرة أخرى أن كرة القدم لا تعترف بالسيطرة أو بعدد التسديدات، بل تعترف فقط بمن يقاتل حتى الثانية الأخيرة من عمر اللقاء. نانت خسر نقطتين ثمينتين، لكنه كسب احترام الجميع بصموده بعشرة لاعبين، بينما بريست عاد إلى دياره بنقطة قد تكون هي الأهم في مسيرته هذا الموسم.

