إعصار "الفلاحين" يجتاح الإسماعيلية: غزل المحلة يقتنص نقاط البقاء من أنياب الكهرباء
في ليلةٍ لم يكن فيها مجالٌ للأنصاف الحلول، وتحت أضواء استاد الإسماعيلية العريق، تجلت ملامح الصراع الحقيقي في "مجموعة الهبوط" ببطولة دوري نايل المصري. لم تكن مجرد مباراة كرة قدم، بل كانت معركة تكسير عظام بين طموح كهرباء الإسماعيلية في إثبات الذات، وخبرة غزل المحلة العريضة في التعامل مع المنعطفات التاريخية. بصافرة الحكم الدولي محمد معروف، انطلقت الملحمة التي انتهت بفوزٍ ثمينٍ لزعيم الفلاحين بثلاثة أهداف مقابل هدف واحد، في ليلةٍ ستبقى طويلاً في ذاكرة أنصار المحلاوية.
بداية هادئة تسبق العاصفة التكتيكية
دخل الفريقان أرض الملعب والضغوط تزن أطنانًا على أكتاف اللاعبين. المدرب علاء عبد العال، المعروف بصلابته الدفاعية وقدرته على لدغ الخصوم، رسم خارطة طريق واضحة لغزل المحلة، بينما حاول رضا شحاتة، المدير الفني لكهرباء الإسماعيلية، فرض أسلوب هجومي مباغت يعتمد على سرعة التحولات. كانت الدقائق العشر الأولى عبارة عن جس نبض حذر، حيث انحصر اللعب في وسط الميدان مع تفوق طفيف لوسط ملعب المحلة الذي بدأ في إحكام قبضته على مجريات الأمور.
الأجواء في المدرجات كانت مشحونة بالترقب، فكل كرة ضائعة كانت تثير صرخات الجماهير، وكل تدخل بدني كان يعكس قيمة النقاط الثلاث في صراع البقاء المرير. لم يتأخر الوقت كثيراً حتى بدأت ملامح الخطورة تظهر على مرمى أصحاب الأرض، حيث استغل مهاجمو المحلة المساحات خلف أظهرة الكهرباء.
ركلات الجزاء والضربات القاضية في الشوط الأول
في الدقيقة 24، ومن هجمة منظمة لغزل المحلة، احتسب الحكم محمد معروف ركلة جزاء أثارت حماس الضيوف. انبرى لها المدافع الصلب أحمد حامد شوشة، الذي وضعها بهدوء وثقة في الشباك، معلناً عن الهدف الأول الذي أشعل مدرجات المحلاوية. هذا الهدف لم يكن مجرد تقدم رقمي، بل كان ضربة معنوية قوية لكتيبة رضا شحاتة.
حاول "الكهرباء" الرد سريعاً، لكن التنظيم الدفاعي للمحلة كان بالمرصاد. وفي الدقيقة 37، ومن جملة فنية رائعة، أرسل المتألق سعيدي بن سعيدي تمريرة حاسمة وضعت زميله أحمد عتمان في مواجهة المرمى، فلم يتوانَ الأخير في إيداعها الشباك محرزاً الهدف الثاني. وبدا للجميع أن المباراة قد حُسمت إكلينيكياً في شوطها الأول، إلا أن كرة القدم رفضت أن تنهي الفصل الأول دون إثارة إضافية.
قبل نهاية الشوط بدقيقة واحدة، وتحديداً في الدقيقة 44، حصل كهرباء الإسماعيلية على ركلة جزاء أعادت لهم الأمل. تقدم علي سليمان لتنفيذها، وببراعةٍ فائقة وضع الكرة في المرمى، مقلصاً الفارق إلى 2-1. ومع إطلاق صافرة نهاية الشوط، نال لاعب الكهرباء أحمد حمزة بطاقة صفراء نتيجة تدخل عنيف، ليدخل الفريقان غرف الملابس على وقع سيناريو مفتوح لكل الاحتمالات.
صراع المدربين وتغيير موازين القوى
مع بداية الشوط الثاني، أجرى المدربان تغييرات تكتيكية واسعة. علاء عبد العال قرر سحب صاحب الهدف الثاني أحمد عتمان ليدفع بـ رشاد العرفاوي، في محاولة لتنشيط الجانب الهجومي المرتد. وفي المقابل، رمى رضا شحاتة بكل أوراقه، حيث أخرج أحمد حمزة وبنيامين روميو، ليدفع بـ محمد فاروق محمد وسيف الخشاب، باحثاً عن ثغرة في جدار المحلة الدفاعي.
اتسم الشوط الثاني بالندية البدنية العالية، وهو ما انعكس في حصول سيرجي أكا، لاعب وسط الكهرباء، على بطاقة صفراء في الدقيقة 56 نتيجة محاولته إيقاف هجمات المحلة المرتدة. ومع مرور الوقت، زاد ضغط الكهرباء، مما دفع رضا شحاتة لإجراء تبديلات هجومية أخرى بدخول عمر السعيد وسيف العجوز بدلاً من مصطفى كشري ومحمد سعيد جهينة في الدقيقة 63.
الرصاصة الأخيرة وبراعة بن سعيدي
بينما كان كهرباء الإسماعيلية يندفع بكل خطوطه نحو التعادل، كان لغزل المحلة رأي آخر. النجم سعيدي بن سعيدي، الذي كان مهندس العمليات في تلك الليلة، عاد ليصنع الحدث مرة أخرى. في الدقيقة 85، ومن هجمة مرتدة نموذجية، أرسل بن سعيدي تمريرة سحرية (أسيست ثانٍ له في المباراة) وصلت إلى محمود صلاح، الذي لم يجد صعوبة في وضعها داخل المرمى، مسجلاً الهدف الثالث والقاضي لطموحات أصحاب الأرض.
هذا الهدف كان بمثابة "رصاصة الرحمة". بعدها، لجأ علاء عبد العال لتأمين دفاعاته بإخراج صاحب الهدف الثالث محمود صلاح وبسام وليد، وإشراك محمود نبيل وويليامز صنداي. ورغم محاولات الكهرباء اليائسة في الدقائق الأخيرة، والتي شهدت دخول عصام الفيومي، إلا أن صلابة المحلة كانت لا تُقهر.
في الدقائق الأخيرة من الوقت بدل الضائع، وتحديداً في الدقيقة 90+1، تلقى أحمد حامد شوشة بطاقة صفراء للتمويه وإضاعة الوقت، قبل أن يختتم المحلة تبديلاته بخروج "نجم المباراة الأول" سعيدي بن سعيدي وسط تحية زملائه، ودخول محمود مجدي لتأمين النتيجة حتى أطلق محمد معروف صافرة النهاية.
الخلاصة: انتصار الإرادة والذكاء التكتيكي
بهذا الفوز الكبير (3-1)، أثبت غزل المحلة أنه يمتلك "DNA" البقاء في الأضواء، حيث عرف كيف يسير المباراة وفق أهوائه، مستغلاً تألق لاعبيه وخاصة بن سعيدي الذي كان القوة الضاربة في صناعة الأهداف. في المقابل، يجد كهرباء الإسماعيلية نفسه في موقف لا يحسد عليه، حيث لم تشفع له السيطرة الميدانية في بعض الفترات أمام الفعالية الهجومية القاتلة لخصمه.
غزل المحلة حصد ثلاث نقاط ليست كأي نقاط؛ فهي نقاط الثقة، ونقاط الهروب من شبح الهبوط، بينما يبقى على رضا شحاتة مراجعة حساباته الدفاعية إذا ما أراد الاستمرار في المنافسة. لقد كانت ليلة في الإسماعيلية، صبغها "الفلاحون" بلون انتصارهم، معلنين للعالم أن العراقة لا تسقط بسهولة.


